“عيسى الكبير”.. حكيم البحرين
البلاد برس -
بأمرٍ سامٍ من ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، يحمل العام الجاري 2026 مسمى «عيسى الكبير»؛ وذلك احتفاء بالإرث الوطني والتاريخي للمغفور له بإذن الله تعالى حاكم البحرين الأسبق الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (طيب الله ثراه)، باني الدولة البحرينية الحديثة وقائد النهضة المؤسسية، التي أرست دعائم الاستقرار ورسخت أسس الحكم الرشيد والإدارة في مملكة البحرين. ويأتي هذا التوجيه الملكي تجسيدا لنهج الوفاء للتاريخ الوطني، واستذكارا لمسيرة أحد أعظم رجالات البحرين، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والعدل وطول النفس السياسي، حتى عُرف بلقب «حكيم البحرين»، فقد حكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة البحرين بالفترة الممتدة من 1 ديسمبر 1869م وحتى وفاته في 9 ديسمبر 1932م، في واحدة من أطول فترات الحكم في منطقة الخليج العربي، إذ استمرت 63 عاما شكلت مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد. وُلد الشيخ عيسى العام 1848م في قلعة الرفاع بالرفاع الغربي، ونشأ في كنف والده الشيخ علي بن خليفة آل خليفة حاكم البحرين والزبارة. تلقى تعليما خاصا أهّله لتحمل مسؤوليات الحكم مبكرا، ليُعلن حاكما للبحرين بالعام 1869م، وبالرغم مما واجهته البلاد في عهده من تحديات سياسية وإقليمية، فإن حكمته وحسن تدبيره مكّناه من تثبيت أركان الدولة والحفاظ على تماسك المجتمع البحريني. وشهد عهده بروز ملامح الدولة الحديثة، حيث اتجه إلى بناء مؤسسات إدارية وقضائية وتنظيم شؤون الحكم بما يضمن الأمن والعدل والرخاء، فكان للقضاء أولوية في مشروعه الإصلاحي، إذ أُسست محكمة دعاوى الغوص بالعام 1894م لتنظيم شؤون أهم مورد اقتصادي آنذاك، كما وُضعت أنظمة المحاكم الشرعية لاحقا بالعام 1928م. وفي المجال الإداري، أُنشئ المكتب الجمركي بالعام 1917م، وتأسست المجالس المختصة بالزراعة والري، وصولا إلى إنشاء أول بلدية في منطقة الخليج العربي بالعام 1919م، في خطوة رائدة عكست طموحه لبناء دولة مؤسسية حديثة. كما أولى الشيخ عيسى بن علي اهتماما كبيرا بالصحة والخدمات العامة، فشهد عهده إنشاء أول عيادة طبية في المنامة العام 1892م، ثم أول مستشفى حديث في الخليج العربي بالعام 1902م، تلاه مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري بالعام 1905م، ما شكّل نقلة نوعية في الرعاية الصحية بالمنطقة. وعُرف الشيخ عيسى بصفاته الإنسانية الرفيعة، حيث أجمع معاصروه والمؤرخون على عدله وكرمه وتواضعه وقربه من الناس. وقد وصفه المؤرخ البحريني الشيخ محمد علي التاجر بأنه حكم بالحزم والتدبير، ونشر الأمن والعدل، وكان مثالا في الحلم والبذل وصلة الرحم، فاستحق أن يُعد حكيم عصره بلا منازع. إن تسمية العام 2026 بـ «عيسى الكبير» تمثل رسالة وطنية عميقة المعاني، تؤكد أن إنجازات الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لم تكن مجرد مرحلة زمنية، بل أساسا راسخا قامت عليه الدولة البحرينية الحديثة، ونهجا مستمرا في الحكمة والاستقرار والبناء المؤسسي، ما يجعل استحضار سيرته اليوم ضرورة وطنية ومصدر إلهام للأجيال المقبلة.

إقرأ المزيد