السجون المفتوحة في البحرين.. قراءة في الأبعاد الإنسانية لرؤية الملك المعظم الإصلاحية
البلاد برس -
  تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية (shaima.hussain@albiladpress.com) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب.  ومعنا في زاوية اليوم المحامية الدكتورة ندى الرياشي   س: ما الأبعاد الإنسانية والإصلاحية التي يعكسها مشروع السجون المفتوحة في مملكة البحرين؟ وكيف يسهم في إعادة دمج المحكوم عليهم في المجتمع؟ جاءت فكرة مشروع السجون المفتوحة بعد التوجهات السامية من لدن صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، في افتتاح دور الانعقاد الرابع للفصل التشريعي الخامس يوم 10 أكتوبر 2021، التي تضمنت ما يلي: “ولمواصلة الجهود الوطنية للارتقاء بمنظومة حقوق الإنسان، فقد وجهنا للبدء في وضع الآليات التنفيذية والبنى التحتية اللازمة لمراكز الإصلاح والسجون المفتوحة، وفق ضوابط محددة لضمان إعادة دمج المستفيدين من البرنامج في مجتمعهم، وبتفاؤل يشجعهم على التطلع لمستقبل مشرق بإذن الله”. وقبل أن تُطوى صفحات العام 2022، وتحديدا في شهر أغسطس من العام نفسه، تحول التكليف إلى حقيقة واقعية، شاهدة على الجهود التي بُذلت من أجل تنفيذ هذا المشروع في وقت قياسي وبمواصفات عالية المستوى تُطبق في عدد قليل جدا من دول العالم، إذ تم البدء في المرحلة الأولى من برنامج السجون المفتوحة. ومن هنا نسلط الضوء على التجربة البحرينية في إقرار السجون المفتوحة كعقوبة مستقلة، بناء على صدور قرار وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة رقم 10 للسنة 2022 بتعديل جدول برامج التأهيل والتدريب، وذلك بإضافة برنامج السجون المفتوحة ضمن برامج الإصلاح والتأهيل، وفقا لضوابط وآليات محددة تحول دون هروب المحكوم عليه من التنفيذ، والتزاما من مملكة البحرين بترسيخ وحماية حقوق الإنسان. ما هي السجون المفتوحة؟ هو كل سجن يقضي فيه السجناء مدة عقوبتهم مع الحد الأدنى من الإشراف والأمن والحراسة المحيطة بهم، وغالبا ما يتم تلافي احتجازهم في زنزانات، وقد يُسمح للسجناء بالقيام بوظائف أثناء قضاء مدة عقوبتهم، بحيث تكون هذه السجون جزءا من خطة إعادة تأهيل السجناء؛ فتكون الحرية مقيدة بشكل جزئي في السجن المفتوح، لا كليا كما في السجون المغلقة، فيُسمح للمحكوم عليهم بالذهاب إلى وظائف أو الالتحاق بالمحاضرات الدراسية وفقا لظروف كل قضية على حدة. من هم السجناء الذين سيستفيدون من السجون المفتوحة؟ المحكومون الذين يُعدّون أقل خطورة على النظام العام، والذين يقضون عقوبات منخفضة المدة، وتُستبدل العقوبة في هذه الحالة بعناصر معنوية تتمثل في الثقة الممنوحة للسجين، التي تضع على كاهله مسؤولية عدم فراره. إذ إن غاية المشرع البحريني في القانون الجنائي عموما هي الإصلاح والتأهيل على نحو يحقق الردع، لا الزجر والعقاب والانتقام ممن يرتكب الجريمة، ففي الواقع العملي قد يكون الحبس ضرره أكثر من نفعه على المحكوم عليه. ونسلط الضوء في ذلك على المحكومين في الجنح والقضايا البسيطة، أو كما نطلق عليهم في العُرف القانوني “مجرمي الصدفة”، وكل ذلك ضمن ضوابط وآليات محددة منظمة تكفل سير السجون المفتوحة وفقا للأسس المبنية عليها. وبناء عليه تم إنشاء أول مبنى لتنفيذ برنامج السجون المفتوحة في مملكة البحرين، وذلك بتاريخ 3 يوليو 2023، من خلال تخصيص المبنى رقم 173 بالطريق 1005 والمجمع 1010، الكائن في منطقة الهملة بالمحافظة الشمالية، مقرا لتنفيذ برنامج السجون المفتوحة بشأن تحديد برامج التأهيل والتدريب للمحكوم عليهم بعقوبات بديلة وإجراءات تنفيذها. ما هي آلية تطبيق السجون المفتوحة؟ يتم إجراء الاختبارات التحليلية والمقابلات الشخصية للمحكومين قبل دخولهم البرنامج؛ لرسم الطريق المناسب وتأهيلهم بشكل خاص لإعادة إدماجهم تدريجيا في المجتمع، ويتكون البرنامج من ثلاث مراحل كالآتي: المرحلة الأولى: تتم تهيئة المرشحين نفسيا تمهيدا لخروجهم في المراحل القادمة بشكل تدريجي، ولإعادة دمجهم في المجتمع بشكل أفضل، وذلك من خلال نقلهم إلى مبنى مخصص للمرحلة الأولى من البرنامج داخل مركز إصلاح وتأهيل النزلاء، وتقديم امتيازات عدة، أبرزها توفير الهواتف وإتاحة الاتصالات الهاتفية على مدار الساعة، وزيادة أوقات الاتصالات المرئية والزيارات العائلية، ويتم تقديم المحاضرات التوعوية والتحفيزية التي تعزز الثقة بالنفس، بالإضافة إلى قيامهم بممارسة الأنشطة الترفيهية المتنوعة، ويتم خلال هذه المرحلة اعتماد نظام الاختبارات لتقييم المرشحين؛ تمهيدا لرفع أسماء المجتازين منهم إلى قاضي تنفيذ العقاب لاستبدال عقوباتهم الأصلية بعقوبات بديلة، يقع ضمن نطاقها برنامج السجون المفتوحة. المرحلة الثانية: يتم استكمال البرنامج بعد صدور قرارات قاضي تنفيذ العقاب باستبدال عقوباتهم الأصلية بعقوبات بديلة في المبنى العصري المخصص للمرحلة الثانية، الذي تتوافر فيه العديد من المرافق المناسبة لمختلف الأنشطة، والبيئة الملائمة للمستفيدين من البرنامج، حيث يتم خلال هذه المرحلة تقديم العديد من الأنشطة الفنية والترفيهية والبرامج التدريبية، ويقوم المتخصصون النفسيون والاجتماعيون بإجراء المقابلات الدورية للمستفيدين وعوائلهم للنظر في أوضاعهم، وتقديم الدعم الاجتماعي لهم، وقياس مدى تطور استقرارهم من جميع الجوانب الشخصية، كما تتم تهيئة وتأهيل المستفيدين من خلال تزويدهم بالمهارات والخبرات التي تراعي انخراطهم في سوق العمل، وتفعيل دورهم وتطوير قدراتهم لحصولهم على أفضل الوظائف.  كما يوفر البرنامج حزمة من الخدمات التأهيلية وخدمات الرعاية الأساسية والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للمستفيدين، منها تشجيعهم على ممارسة الأنشطة الرياضية والذهنية، وذلك تعزيزا للدور الفعال للشراكة المجتمعية وتحقيقا للهدف الأسمى للبرنامج، وهو الاندماج التدريجي بالمجتمع. وفي هذا السياق، فإن للمستفيد من برنامج السجون المفتوحة دورا أساسيا في الاستجابة للبرنامج من خلال الانخراط المتميز بالبرامج والأنشطة الرياضية والانضباط؛ الأمر الذي من شأنه أن يرسخ الأمن ويعزز التطور والنماء في مملكة البحرين، ويسهم في الوصول إلى الهدف الأساسي بأن يكون للمستفيدين دور فعال في المجتمع. المرحلة الثالثة: يتم استكمال برنامج السجون المفتوحة مع العودة إلى الحياة الطبيعية والإقامة مع العائلة والاندماج الكامل بالمجتمع، وبعد الانتهاء من تنفيذ البرنامج تستمر متابعتهم بشكل دقيق للتأكد من استقرارهم النفسي والاجتماعي، وحصولهم على العمل أو تأسيس مشاريعهم الخاصة، والتأكد من عدم تورطهم بارتكاب الجرائم مرة أخرى.

إقرأ المزيد