استهداف المنشآت الاقتصادية… جريمة تستوجب التعويض
جريدة البلاد -
 تعتمد ملفات التعويضات الدولية بصورة كبيرة بجودة التوثيق منذ الأيام الأولى للضرر الخسائر التشغيلية طويلة الأمد قد تكون أكبر أثرًا من الأضرار المادية المباشرة نفسها أكدت المحامية والباحثة القانونية المتخصصة في القانون الدولي الخاص وتعويضات الأضرار والاستثمارات، أحلام علي حسن، أن استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية الاقتصادية لم يعد يُنظر إليه في إطار القانون الدولي باعتباره مجرد خسائر مادية، بل بوصفه فعلًا يرتب مسؤولية دولية والتزامًا قانونيًا بالتعويض عن الأضرار المدنية والاقتصادية والتشغيلية التي تصيب الأفراد والشركات والاستثمارات.  وفي حوار مع «البلاد»، تناولت الخبيرة القانونية أحلام علي حسن الجوانب القانونية المتعلقة بحقوق المتضررين وآليات التعويض الدولية عن الأضرار الناتجة عن الهجمات الإيرانية الآثمة على مملكة البحرين، كما تطرقت إلى دور المملكة في حماية المواطنين والمنشآت والاستثمارات المتضررة، مشيدةً بالتحرك المؤسسي السريع الذي جمع بين التحرك الدولي لتثبيت الإدانة القانونية للهجمات، والإجراءات الداخلية الهادفة إلى احتواء الأضرار ودعم استقرار القطاع الخاص وتعزيز البيئة الاستثمارية، فإلى نص الحوار معها: بداية، كيف يقيّم القانون الدولي الاعتداءات التي تستهدف المنشآت المدنية والبنية التحتية الاقتصادية؟ من منظور القانون الدولي، يُعد استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية الاقتصادية من أخطر صور الانتهاكات التي تمس استقرار الدول وحقوق الأفراد والقطاع الخاص، خصوصًا عندما تطال الهجمات منشآت الطاقة، والموانئ، والمناطق الصناعية، والمساكن، والمرافق الخدمية والبنية التحتية الحيوية. وبصفتي متخصصة في القانون الدولي الخاص، فإن هذه الاعتداءات لا تُقرأ فقط من زاوية الأمن والسيادة، وإنما أيضًا من زاوية الأضرار المدنية والاقتصادية التي تصيب الأفراد والشركات والاستثمارات الخاصة، وما يترتب عليها من حقوق قانونية في المطالبة بالتعويض وجبر الضرر. فالقانون الدولي الإنساني والقواعد الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية أثناء النزاعات المسلحة، يفرضان حماية خاصة للأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية غير العسكرية، كما أن استهدافها يشكل مخالفة مباشرة لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، وهي مبادئ أساسية تحكم النزاعات المسلحة. واليوم، لم يعد استهداف المنشآت الاقتصادية يُنظر إليه كضرر تجاري فحسب، بل باعتباره فعلًا يهدد الأمن الاقتصادي ويستوجب المساءلة والتعويض الدولي، وهو ما ظهر بوضوح في الأضرار التي خلفتها الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من المنشآت والبنية التحتية المدنية والاقتصادية في مملكة البحرين، وما ترتب عليها من آثار تشغيلية واستثمارية ومجتمعية واسعة. كيف تثبت المسؤولية الدولية عن هذه الأفعال، وما طبيعة التعويضات الممكنة؟ تثبت المسؤولية الدولية عندما يقع فعل غير مشروع دوليًا يمكن نسبته إلى دولة معينة، ويترتب عليه ضرر مادي أو بشري أو اقتصادي، كما هو الحال في الأضرار التي أصابت عددًا من المنشآت والمساكن والمصالح الاقتصادية في مملكة البحرين نتيجة الهجمات الإيرانية الآثمة.وفي هذا النوع من القضايا، لا نتحدث فقط عن أضرار سيادية أو عسكرية، بل عن أضرار أصابت شركات واستثمارات ومواطنين ومساكن ومنشآت مدنية، وبالتالي فإن نطاق المسؤولية يمتد ليشمل التعويض عن الخسائر المدنية والتجارية والتشغيلية. ومن الناحية القانونية، فإن توثيق الأضرار، والتقارير الفنية، والخطابات الرسمية، وقرارات المؤسسات الدولية، كلها تشكل أدوات مهمة لإثبات المسؤولية الدولية والمطالبة بالتعويض. وفي الممارسة العملية، تتأثر ملفات التعويضات الدولية بصورة كبيرة بجودة التوثيق منذ الأيام الأولى للضرر، ولذلك فإن الإدارة القانونية المبكرة للملف تمثل عنصرًا حاسمًا في حماية الحقوق لاحقًا. أما فيما يتعلق بطبيعة التعويضات، فهي لا تقتصر على الأضرار المباشرة كتلف المباني والمعدات والممتلكات، بل قد تمتد أيضًا إلى خسائر التشغيل، وتوقف الأعمال، وتعطل العقود، وخسارة الأرباح، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان الفرص الاستثمارية. وفي كثير من القضايا الدولية، تكون الخسائر التشغيلية طويلة الأمد أكبر أثرًا من الأضرار المادية المباشرة نفسها، خصوصًا بالنسبة للقطاعات الصناعية والخدمية والاستثمارية. هل تمتلك الشركات والاستثمارات المتضررة حقًا قانونيًا في المطالبة بالتعويض؟ وهل يلعب التأمين دورًا في ذلك؟ نعم، وهذا من أهم الجوانب التي يركز عليها القانون الدولي الخاص والاستثماري. فالشركات والمنشآت الاقتصادية المتضررة تمتلك حقوقًا قانونية ثابتة في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بأصولها أو عملياتها التشغيلية أو استثماراتها، سواء بصورة مباشرة أو عبر الدولة من خلال ما يُعرف بالحماية الدبلوماسية. كما أن بعض الاستثمارات الأجنبية أو الشركات المرتبطة باتفاقيات دولية قد تمتلك مسارات إضافية، مثل اللجوء إلى التحكيم الدولي أو المطالبة عبر الاتفاقيات الاستثمارية الثنائية ومتعددة الأطراف.  ومن المهم أن تدرك الشركات أن التعويضات لا تقتصر فقط على تلف الممتلكات، بل قد تشمل أيضًا خسائر التشغيل، وتعطل العقود، وخسارة الأرباح، واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما يبرز بصورة خاصة عندما تتعرض المنشآت الاقتصادية أو سلاسل الأعمال للتعطل نتيجة الأضرار التي تصيب البنية التحتية أو المرافق الحيوية، كما حدث في مملكة البحرين. وهل يلعب التأمين دورًا في هذه القضايا؟ بالتأكيد، لكن دور التأمين في هذا النوع من القضايا يعتمد بصورة أساسية على طبيعة وثيقة التأمين وحدود التغطية والاستثناءات الواردة فيها، لأن كثيرًا من عقود التأمين التجارية قد تستثني أخطار الحرب أو الأعمال العدائية أو الهجمات العسكرية، ما لم توجد تغطية إضافية خاصة تشمل هذه المخاطر. (اقرأ الحوار كاملا بالموقع الإلكتروني) ولذلك، فإن مدى أحقية الشركات أو الأفراد في الرجوع على شركات التأمين يختلف بحسب نوع الوثيقة، ونطاق التغطية، وطبيعة النشاط، والاستثناءات التعاقدية.ففي حال كانت الأضرار مشمولة بالتغطية التأمينية، فقد تقوم شركة التأمين بتعويض المؤمن له وفقًا للعقد، ثم قد تنتقل إليها – في حدود ما دفعته – بعض حقوق المطالبة أو الاسترداد تجاه الجهة المسؤولة. ولابد من الإشارة إلى أن وجود التأمين لا يلغي المسؤولية الدولية عن الأضرار التي لحقت بالأفراد والمنشآت والاستثمارات، وإنما يُعد وسيلة لإدارة المخاطر المالية الناتجة عن هذه الهجمات والتخفيف من آثارها الاقتصادية. وفي حال قيام شركات التأمين بتعويض المؤمن لهم عن الأضرار المشمولة بالتغطية، فقد يترتب لها – في حدود ما دفعته – حق الرجوع أو المطالبة بالاسترداد تجاه الدولة المسؤولة أو الجهات المرتبطة بالفعل الضار، وذلك وفقًا لما تقرره القواعد القانونية والعقود التأمينية المنظمة لهذا النوع من المطالبات. كيف تقيّمين تعامل مملكة البحرين مع احتواء الأضرار المدنية والاقتصادية الناتجة عن الهجمات، وحماية المتضررين ودعم استقرار البيئة الاستثمارية؟ أرى أن مملكة البحرين قدمت نموذجًا متوازنًا يجمع بين التحرك القانوني الدولي والاستجابة الداخلية السريعة لحماية الأفراد والمنشآت والاستثمارات المتضررة من الهجمات الإيرانية الآثمة. فعلى الصعيد الدولي، تحركت المملكة مبكرًا داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان لتثبيت الإدانة الدولية للهجمات، والتأكيد على أن استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية المدنية يشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني ويترتب عليه مسؤولية دولية والتزام بالتعويض. وفي المقابل، حرصت الدولة داخليًا على احتواء الآثار المدنية والاقتصادية التي خلفتها الهجمات الإيرانية على المواطنين والمنشآت والقطاع الخاص بصورة عملية، حيث وجّهت القيادة بتعويض المواطنين المتضررين، كما باشرت الجهات المختصة أعمال حصر الأضرار وإصلاح المنازل والمنشآت المتضررة، بما في ذلك الأضرار التي طالت بعض المساكن والمنشآت والمرافق الاقتصادية والخدمية، إلى جانب توفير قنوات مباشرة لاستقبال البلاغات وطلبات التعويض والمعاينات الفنية، بما ساهم في تسريع الاستجابة وحماية حقوق المتضررين. واضطلعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بدور مهم في رصد وتوثيق التداعيات الحقوقية والإنسانية للهجمات، من خلال جمع الأدلة والتنسيق مع الجهات المختصة ومتابعة أوضاع المتضررين، إلى جانب تشكيل لجنة مختصة لتوثيق آثار الاعتداءات وفق معايير مهنية وقانونية تدعم أي مطالبات مستقبلية بالتعويض أو المساءلة. كما اتخذت الدولة إجراءات اقتصادية مهمة لدعم استقرار القطاع الخاص واستمرارية الأعمال، ومن أبرز ذلك برامج الدعم والتمويل التي أطلقها صندوق العمل «تمكين» لدعم الشركات والمنشآت المتضررة، بما شمل دعم السيولة والنفقات التشغيلية والحفاظ على الوظائف واستمرارية الأنشطة التجارية. والجدير بالذكر أن ما بادرت إليه مملكة البحرين من تقديم التعويضات وأوجه الدعم للمتضررين يجسد نهجًا مؤسسيًا وإنسانيًا رفيعًا يعكس حرص الدولة على حماية المواطنين والمنشآت والاستثمارات والمحافظة على الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، مع احتفاظها، واحتفاظ المتضررين، بحق الرجوع لاحقًا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر المسارات القانونية الدولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار والخسائر، وذلك وفق ما تقرره الدولة من إجراءات ومسارات قانونية تتفق مع قواعد المسؤولية الدولية. هل تتوقعين ظهور آليات دولية خاصة بالتعويض مستقبلًا؟ السوابق الدولية تؤكد أن ذلك ممكن، خصوصًا عندما تكون الأضرار واسعة وتمس المدنيين والبنية الاقتصادية بصورة مباشرة. ولدينا مثال مهم يتمثل في لجنة الأمم المتحدة للتعويضات بعد غزو الكويت، والتي تعاملت مع مطالبات الأفراد والشركات والدول.ولذلك فإن ما قامت به مملكة البحرين من تحرك مبكر ومتوازن على المستوى الدولي، إلى جانب جهودها الداخلية في حصر الأضرار والتوثيق المؤسسي الدقيق لها، وإبراز البعد القانوني والإنساني للهجمات التي استهدفت المدنيين والمنشآت والبنية التحتية، يعكس نهجًا قانونيًا ومؤسسيًا متقدمًا أسهم في ترسيخ الأساس القانوني لأي مطالبات أو مسارات دولية مستقبلية متصلة بالتعويض والمساءلة. كلمة أخيرة؟ أعتقد أن ما يميز التجربة البحرينية في هذه الأزمة هو الجمع بين التحرك القانوني الدولي والحماية الداخلية الفعلية للمدنيين والاستثمارات.فالرسالة الأهم هنا أن القانون الدولي لا يحمي الحدود والسيادة فقط، بل يحمي أيضًا الإنسان، وحقه في الأمن، وحقه في الاستثمار والعمل والاستقرار الاقتصادي. ومن المهم اليوم تعزيز الوعي القانوني لدى الشركات والأفراد بحقوقهم، وبأهمية التوثيق وحماية المصالح الاقتصادية، إلى جانب أهمية تعاون المتضررين مع الجهات المعنية في الإبلاغ عن الأضرار وتقديم المستندات والبيانات اللازمة، لأن التعويضات الدولية لا تقوم فقط على وقوع الضرر، وإنما على القدرة القانونية والمهنية على إثباته وإدارة المطالبات بصورة صحيحة منذ البداية.

إقرأ المزيد