تحليل اقتصادي | صادرات البحرين تكبر.. لكن هل ننتج أشياء أكثر؟
البلاد برس - 9/2/2026 11:28:50 PM - GMT (+3 )
البلاد برس - 9/2/2026 11:28:50 PM - GMT (+3 )
12.50 مليار دولار صادرات البحرين في 2024 مقابل 10.48 مليارات دولار في 2012
6 سلاسل صناعية برزت كمسارات تستحق الاختبار من الصمامات والمعدات الميكانيكية إلى الأتمتة والمكونات الكهربائية
43.25 مليون دولار واردات أحد أبرز منتجات الصمامات الصناعية في 2024 مقابل صادرات بـ8.89 ملايين دولار
عندما نتحدث عن التنويع الاقتصادي غالبًا ما نبدأ بالأرقام الكبيرة: كم بلغت الصادرات؟ كم نما القطاع غير النفطي؟ وكم استقطب الاقتصاد من استثمارات؟
لكن ماذا لو كان هناك سؤال آخر أكثر أهمية: هل أصبحت البحرين قادرة على إنتاج أشياء أكثر مما كانت تنتجه في السابق؟
الفرق بين السؤالين ليس لغويًّا فقد ترتفع صادرات دولة بصورة كبيرة بسبب عدد محدود من المنتجات من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن قاعدتها الإنتاجية أصبحت أكثر تنوعًا، وفي المقابل قد يبدأ التحول الاقتصادي الحقيقي بهدوء عندما تتعلم الشركات المحلية إنتاج مكونات أو معدات أو تقنيات لم تكن تنتجها من قبل وهنا تحديدا تبدأ قصة البحرين.
مفارقة 12.5 مليار دولار
تظهر بيانات Harvard Growth Lab أن صادرات البحرين ارتفعت من نحو 10.48 مليارات دولار في 2012 إلى 12.50 مليار دولار في 2024 للوهلة الأولى تبدو الصورة إيجابية لكن عندما ننظر إلى ما وراء قيمة الصادرات تظهر صورة تستحق التأمل.
فعدد المنتجات التي تمتلك فيها البحرين ميزة نسبية تصديرية أي التي تصدرها بحصة تفوق حصتها المتوقعة عالميا بلغ 100 منتج في 2019، ثم انخفض إلى 65 منتجا في 2024 وفي الوقت نفسه ارتفع مؤشر تركز الصادرات من 0.062 إلى 0.193 ماذا يعني ذلك ببساطة؟
تخيل متجرًا ارتفعت مبيعاته لكنه أصبح يعتمد بصورة أكبر على عدد أقل من السلع الإيرادات قد تكون أكبر لكن مصادرها أصبحت أكثر تركزا.
وهذا لا يعني أن الصناعة البحرينية تتراجع ولا يمكن الحكم على تحول هيكلي طويل الأجل من حركة سنة واحدة وهو ما تؤكد عليه الدراسة نفسها لكنه يعني أن قياس نجاح التنويع بقيمة الصادرات وحدها قد لا يخبرنا بالقصة كاملة والسؤال يصبح: إذا كانت البحرين تريد توسيع ما تستطيع إنتاجه فمن أين تبدأ؟
لا تبدأ من الصفر
هنا نصل إلى مفهوم يبدو معقدًا لكنه في الحقيقة بسيط جدًّا: فضاء المنتجات.
لنفترض أن لديك شركة بحرينية تجيد تصنيع منتجات معدنية للصناعة لديها مهندسون وآلات وموردون ومعايير جودة وخبرة في التعامل مع المصانع.
هل سيكون من الأسهل عليها غدًا أن تنتج مكونًا هندسيًّا أكثر تطورًا أم أن تبدأ فجأة في تصنيع طائرات؟
الإجابة واضحة الاقتصادات مثل الشركات والأفراد تتعلم بالتدرج وكلما كان المنتج الجديد يحتاج إلى مهارات ومعرفة وتقنيات قريبة مما نمتلكه بالفعل أصبحت إمكانية الانتقال إليه أكثر واقعية.
ماذا يمكن أن نصنع إذن؟
بعد تحليل المنتجات وربط الطلب المحلي والصادرات الحالية ونمو الواردات بمؤشرات القدرات الإنتاجية ظهرت 6 سلاسل صناعية تستحق الاختبار: الصمامات والمحابس الصناعية، وأجزاء الآلات والمعدات الميكانيكية، ومعدات الترشيح والتنقية، وأنظمة التحكم والأتمتة، ومكونات نقل الحركة، والمكونات الكهربائية الصناعية.
لنأخذ الصمامات الصناعية مثالًا.
استوردت البحرين في 2024 نحو 43.25 مليون دولار من أحد أبرز منتجات الصمامات والمحابس الصناعية بينما صدرت نحو 8.89 ملايين دولار منه أي أن الفجوة بين الواردات والصادرات بلغت قرابة 34.36 مليون دولار وهناك أيضًا واردات بنحو 19.21 مليون دولار من أجزاء الصمامات.
لماذا هذه الأرقام مثيرة للاهتمام؟
لأننا لا نتحدث عن منتج غريب عن الاقتصاد البحريني، الصمامات تدخل في النفط والغاز والبتروكيماويات والمياه والطاقة والمصانع الثقيلة أي أنها تتحرك داخل بيئة صناعية تعرفها البحرين بالفعل.
وهنا يتغير السؤال من: لماذا نستورد 43 مليون دولار؟ إلى: ما الذي يمنع شركة بحرينية من إنتاج جزء أكبر من هذه المنتجات محليًّا ثم بيعها في السوق الخليجية؟
قد تكون الإجابة التكنولوجيا، أو حجم السوق، أو شهادات الاعتماد، أو التكلفة، أو المهارات وهذا تحديدًا ما يجب أن تختبره دراسة الجدوى التالية.
والأتمتة قد تكون أكثر إثارة
مثال آخر هو أجهزة التحكم والتنظيم الآلي
بلغت وارداتها نحو 10 ملايين دولار في 2024 مع نمو سنوي في الواردات بلغ نحو 10.4 % خلال الفترة التي حللتها الدراسة بينما بلغت الصادرات نحو 230 ألف دولار فقط.
وهنا تظهر فرصة مختلفة.
فالصناعة الحديثة لم تعد مجرد مصنع وآلات وعمال المصانع تتجه بصورة متزايدة إلى أجهزة الاستشعار والتحكم والبرمجيات والأتمتة وبالتالي فإن تعميق الصناعة البحرينية لا يعني بالضرورة إنشاء مصانع ضخمة جديدة وإنما يمكن أن يعني بناء شركات متخصصة تعمل حول المصانع الموجودة أصلًا.
شركة تصنع مكونًا وأخرى تطور نظام تحكم وثالثة تقدم حلولًا هندسية ورابعة تختبر المعدات وتحصل على الاعتمادات هكذا تتسع القاعدة الإنتاجية.
لكن لماذا لا نصنع السيارات بدلًا من ذلك؟
هذا السؤال يكشف أهم نقطة في الدراسة البحرين تستورد سلعًا ضخمة القيمة، والسيارات مثال واضح لكن كبر فاتورة الاستيراد لا يعني تلقائيًّا وجود فرصة صناعية.
فقد يكون هناك طلب بمئات الملايين من الدولارات على منتج معين لكن إنتاجه محليًّا يحتاج إلى شبكة هائلة من الموردين والتكنولوجيا ورأس المال والمهارات التي لا يمتلكها الاقتصاد حاليًّا.
لهذا تفرق الدراسة بين فرصة سوقية وفرصة إنتاجية وجود مشترين يخبرنا أن هناك سوقًا أما وجود قدرات قريبة مما يحتاجه المنتج فهو الذي يجعل إمكانية إنتاجه أكثر واقعية وحتى المنتجات الستة التي ظهرت في النتائج ليست مصانع جاهزة وإنما أولويات للبحث ودراسات الجدوى وهذا فارق مهم في التفكير في السياسة الصناعية.
من جذب المصنع إلى بناء ما حوله
ربما يكون السؤال الأهم للبحرين خلال المرحلة المقبلة ليس: ما القطاع الجديد الذي نريد جذبه؟ بل: ماذا يمكن أن نبني حول القطاعات التي نجحنا بالفعل في تأسيسها؟
فوجود صناعة كبيرة لا تقتصر قيمته على ما ينتجه المصنع نفسه القيمة الأكبر تظهر عندما تتكون حوله شبكة من الموردين المحليين: قطع غيار، صمامات، معدات، خدمات هندسية، أنظمة تحكم، صيانة، اختبارات وحلول تقنية.
حينها يتحول المصنع الكبير من وحدة إنتاج إلى منصة لبناء قدرات اقتصادية جديدة.
وهذه هي الفكرة التي تصل إليها الدراسة: البحرين لا تبدأ من غياب الصناعة التحدي هو نشر القدرات الموجودة خارج عدد محدود من المنتجات والانتقال تدريجيًّا نحو الموردين الصناعيين والمكونات الهندسية والأتمتة والمنتجات الأعلى معرفة.
فكيف نقيس النجاح؟
هنا ربما نحتاج إلى إضافة سؤال جديد إلى لوحة مؤشرات التنويع الاقتصادي إلى جانب: كم نما الناتج غير النفطي؟ وكم بلغت الصادرات؟ وكم استقطبنا من الاستثمار؟
يمكن أن نسأل: كم منتجًا جديدًا تعلم الاقتصاد البحريني إنتاجه بصورة تنافسية؟
لأن شركة بحرينية تنجح أولا في توريد مكوّن إلى مصنع محلي ثم تحصل على الاعتمادات اللازمة ثم تبيعه في السعودية أو الإمارات لا تكون قد أضافت مجرد صادرات جديدة لقد أضافت إلى الاقتصاد معرفة وقدرة إنتاجية جديدة. ومن هنا قد لا تكون القفزة المقبلة قفزة ضخمة إلى قطاع لم تعرفه البحرين من قبل ربما تكون سلسلة من الخطوات الأصغر لكنها أكثر ترابطًا: من المواد الأساسية إلى المكونات، ومن المكونات إلى المعدات، ومن المعدات إلى التحكم والأتمتة، وصولًا إلى منتجات أكثر تعقيدًا وقابلية للتصدير. وفي النهاية ربما يكون أفضل تعريف للتنويع الاقتصادي هو الأبسط: ليس فقط أن نبيع للعالم أكثر بل أن يصبح لدينا عدد أكبر من الأشياء التي نعرف كيف نصنعها ونستطيع أن ننافس بها.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


