المرأة التي سرقت مفتاح المنامة: رفيقة بن رجب في متاهة الذهب والكتب والغياب
جريدة البلاد - 10/17/2026 8:08:56 PM - GMT (+3 )
جريدة البلاد - 10/17/2026 8:08:56 PM - GMT (+3 )
قبل أن تعرف رفيقة بن رجب أن المدن يمكن أن تموت، كانت المنامة تعرف أن البشر يفعلون ذلك، ولذلك كانت تخبئ نسخًا صغيرة من نفسها داخل بعض أطفالها، كما تخبئ السفن القديمة خرائطها في تجاويف لا يصل إليها الماء. في ليلة من ليالي المدينة التي لم يعد أحد يعرف تاريخها، نهضت المنامة من مكانها، خلعت أسماء شوارعها، وتركت البحر يحرس أبوابها، ثم مشت حافية إلى فريق المخارقة، حيث البيوت متقاربة كأنها تتبادل الأسرار من النوافذ، والعائلات لا تسكن المكان بقدر ما تمتد جذورها تحته. هناك توقفت عند بيت لا تعرف الحكاية رقمه، ولا ينبغي لها أن تخترع له رقمًا، لكنها تعرف أن طفلة من عائلة بن رجب ستفتح عينيها على عالم لا تكون فيه الأشياء ما تبدو عليه.
كان اسمها رفيقة، وكانت منامية من جهة الأب ومن جهة الأم، حتى بدا الأمر كما لو أن المدينة قد أحاطتها من الجهتين كي لا تستطيع الإفلات منها؛ بن رجب في ناحية، والمحروس في الناحية الأخرى، وبينهما المنامة جالسة على كرسي غير مرئي تقول: هذه واحدة من بناتي، سأعطيها ذاكرتي، لكنني لن أخبرها بذلك الآن. ولم تكن المخارقة حيًا بالمعنى الذي تكتبه البلديات في خرائطها، بل كائنًا ذا رئتين؛ يتنفس بالعائلات القديمة، ويستيقظ على حركة الناس، وتنام في جدرانه حكايات أكثر مما تستطيع الكتب إحصاءه. كان الطفل الذي يكبر هناك يتعلم، من دون درس، أن الاسم له سلالة، وأن الباب يعرف من مر منه، وأن البيت يستطيع أن يكون أرشيفًا، وأن الطريق القصير قد يقود إلى قرن كامل من الذكريات، وكانت رفيقة تتشرب ذلك كله من غير أن تعرف أن ما يدخل إليها سوف يعود بعد عقود في صورة أسئلة عن النص، والبلاغة والتلقي والجمال. فالطفلة التي تتعلم أن للمدينة ظاهرًا وباطنًا ستصعب عليها لاحقًا قراءة القصيدة باعتبارها سطحًا؛ والتي ترى أن وراء كل بيت عائلة، ووراء كل عائلة حكاية، ووراء كل حكاية غائبين، ستبحث حتمًا وراء كل كلمة عن طبقتها الثانية. لكن المنامة لم تكن معلمتها الوحيدة؛ ففي بيت الجد منصور المحروس كان الذهب يستعد لإعطائها درسًا آخر. كان الجد معروفًا في تجارة المجوهرات وصلاته بالهند، وكانت الأحجار واللآلئ والذهب تصل محملة برائحة أماكن بعيدة، حتى بدا متجر المجوهرات وكأنه ميناء صغير لا ترسو فيه السفن بل الخواتم والعقود والأساور.
وكانت الهند يومذاك أكثر من بلد بعيد؛ كانت الطرف الآخر من خيط طويل تشده التجارة والصياغة واللؤلؤ والأسفار، وحين سافرت رفيقة طفلة مع جدها وجدتها إلى هناك، اتسعت الخريطة فجأة، واكتشفت عيناها، قبل أن يستطيع عقلها تسمية الاكتشاف، أن العالم أكبر من حدود المكان الذي نولد فيه. وفي تلك الرحلة، لو كان الذهب قادرًا على الكلام، لقال لها إن الأشياء لا تحمل موطنًا واحدًا؛ فالذهب الذي يلمع في المنامة ربما مرت عليه يد في الهند، واللؤلؤ الذي خرج من الخليج قد يدخل حكاية في بلد آخر، وما نراه ساكنًا يكون قد قطع بحارًا كاملة قبل أن يصل إلينا. وربما كانت تلك أول استعارة كبرى دخلت حياتها من دون أن تعرف اسم الاستعارة: الشيء يحمل تاريخ رحلته داخله. وستفعل رفيقة بالنصوص بعد سنوات ما كان الصائغ يفعله بالجواهر؛ تقلبها أمام الضوء، لا تكتفي بسطحها، تبحث عن موضع القطع وعن سر اللمعان وعن العلاقة بين الجزء والكل، كأن البلاغة ليست بعيدة في النهاية عن صناعة الجواهر، فكلاهما يعرف أن القيمة قد تختبئ في تفصيل صغير، وأن الضوء لا يظهر إلا حين يجد سطحًا قادرًا على رده. وكانت الجدة تسير إلى جانبها في تلك الطفولة بوصفها أكثر من جدة؛ كانت موطنًا محمولًا، ملاذًا يستطيع الطفل أن يدخله من دون باب، حتى إذا أغمض عينيه وجد العالم أقل قسوة. لم تكن رفيقة تعرف آنذاك لماذا ستحتاج إلى ذلك الملاذ بهذه القوة، ولم تكن المدينة تريد أن تخبرها. كانت المنامة تعرف أن في الطريق بابًا أسود، وكانت تؤجل فتحه ما استطاعت. لكن الأبواب التي يكتبها القدر لا تبقى مغلقة طويلًا، وعندما بلغت الطفلة العاشرة، انفتح الباب، ودخل منه الغياب.
حين جلس الموت على كرسي الأم ورفض أن يغادر
كانت في العاشرة حين ماتت أمها وهي تضع مولودها الجديد، وفي ذلك اليوم لم يفقد البيت امرأة فقط؛ اختل ترتيب الكون الصغير الذي تعرفه طفلة في العاشرة، وتغيرت وظيفة الأشياء دفعة واحدة. صار الكرسي الذي كانت تجلس عليه الأم أكثر من كرسي، والباب الذي كانت تدخل منه أكثر من باب، والصمت الذي يعقب السؤال أكثر كثافة من الصمت العادي. دخل الغياب البيت كما يدخل ضيف لا يملك أحد شجاعة طرده، ولم يحتج إلى غرفة؛ كان يسكن المسافات بين الأشياء، يظهر عند المائدة، ويختبئ في الثياب، ويجلس ليلًا عند أطراف الأسرة، ثم يكبر مع الأطفال كما لو كان أخًا ثامنًا لهم.
كانت رفيقة واحدة من سبعة إخوة، وكان من الممكن لذلك الفقد أن يتحول إلى ثقب أسود يبتلع طفولتهم، لولا أن الأب وقف في وجهه. ذلك الرجل الذي كان قد ذاق اليتم بنفسه حين مات والداه وهو طفل وجد نفسه الآن أمام سبعة أطفال، وكأن الحياة أعادت إليه امتحانه القديم، ولكنها هذه المرة وضعت الإجابة في يديه. كان بسيطًا، لكنه كان يمتلك ذلك النوع النادر من العمق الذي لا يحتاج إلى خطابة كي يظهر، ولم يعتمد على أحد، ولم يتزوج بعد رحيل زوجته على الرغم من شبابه، خوفًا على أبنائه وحرصًا عليهم، وتولى تربيتهم وتعليمهم وحده.
ولو كانت الأساطير أكثر عدلًا لغيرت مفهوم البطل؛ فليس البطل دائمًا من يقتل التنين، بل قد يكون رجلًا ينهض كل صباح ليعد سبعة أطفال للحياة فيما التنين جالس في صدره. لم يقل الأب لأبنائه إن المسؤولية عظيمة؛ صار هو المسؤولية وهي تمشي. لم يحدثهم طويلًا عن الوفاء؛ ترك شبابه يعبر أمامهم من غير زواج جديد، فصار صمته أكثر بلاغة من الخطب. ولم يقل لرفيقة إن عليها أن تكون قوية؛ جعلها ترى القوة وهي تغسل وجهها كل صباح وتذهب لإنجاز واجباتها. وهنا بدأت البلاغة قبل أن تدرس رفيقة البلاغة، لأن أكثر المجازات تأثيرًا في حياتها لم يكن في كتاب، بل في رجل أصبح وجوده استعارة كاملة للحماية. أما الجدة فاقتربت أكثر، وصارت تلك الصداقة الحميمة بين الطفلة وجدتها جسرًا فوق منطقة الفقد؛ وكلما حاول الغياب أن يوسع مملكته، جاءت الجدة واستردت منه قطعة من الأرض. لكن شيئًا آخر كان ينمو في الظل: الأسئلة. فالطفل الذي يرى الموت مبكرًا لا يعود العالم أمامه بديهيًا تمامًا، ويبدأ، حتى لو لم ينطق بذلك، في الشك بصلابة الأشياء.
إذا كانت الأم التي كانت هنا يمكن أن تغيب، فما الذي يبقى؟ إذا كان البيت نفسه يتغير بغياب شخص، فهل الأشياء هي الأشياء فعلًا، أم أن معناها يأتي ممن يملأها؟ وربما من هذا الجرح البعيد جاءت حساسية رفيقة اللاحقة تجاه المعنى، لأن المعنى هو الشيء الذي يبقى أحيانًا حين يختفي صاحبه. ثم، في المرحلة الثانوية، طرقت الكتب الباب. جاء المنفلوطي حاملًا النظرات والعبرات، وجاء ابن المقفع يخفي البشر داخل الحيوانات في كليلة ودمنة. وما إن فتحت الفتاة الكتابين حتى بدأت المملكة الثانية. خرج الحزن من صفحات المنفلوطي وجلس قرب الغياب القديم، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ قرون، ثم خرجت حيوانات ابن المقفع من الحكايات وراحت تتمشى في بيت المخارقة: أسد يحمل وجه سلطان، وثعلب يعرف أكثر مما ينبغي، وحيوان ضعيف يملك حكمة أقوى من أنياب الأقوياء.
وكانت رفيقة تقرأ وتكتشف شيئًا سيغير علاقتها باللغة إلى الأبد: الكلمات تستطيع أن تقول شيئًا وهي تقصد شيئًا آخر، والحيوان قد يكون إنسانًا، والحكاية قد تكون سياسة، والدمعة قد تكون فكرة، والجملة قد تحمل تحت جلدها جملة أخرى. تأثرت بشخصية ابن المقفع، ثم اتسعت القراءة، وبدأت الكتب تتكاثر كأن أول كتاب أخبر الكتب الأخرى أن في المنامة فتاة تفتح الأبواب. ومنذ ذلك الحين لم تعد مكتبة العالم مكانًا صامتًا؛ صار كل كتاب يطالب بحقه في أن يسألها. وعندما ذهبت إلى بغداد لدراسة البكالوريوس في كلية الآداب بجامعة بغداد، لم تذهب وحدها؛ سافرت معها المنامة في حقيبة غير مرئية، وسافر الأب، والجدة، والأم الغائبة، والذهب، والهند، وكليلة ودمنة، وكل الأزقة التي علمتها أن للظاهر باطنًا. استقبلتها بغداد بما تحمله من ثقل اللغة والتاريخ والأدب، وكأن مدينة كاملة من الكتب فتحت أبوابها لمدينة كاملة من الذاكرة. ثم انتقلت الرحلة إلى مصر، إلى جامعة عين شمس، حيث الماجستير والدكتوراه، فأصبح في داخلها مثلث غريب لا ترسمه الخرائط: المنامة وبغداد والقاهرة. ثلاث مدن تتجادل في رأس امرأة واحدة؛ المنامة تقول أنا الذاكرة، وبغداد تقول أنا اللغة، والقاهرة تقول أنا السؤال، ورفيقة تسمع الجميع ولا تمنح واحدة منها حق إلغاء الأخرى. ومن ذلك الجدل ولدت الباحثة.
الليلة التي هربت فيها البلاغة من الكتاب
تقول الحكاية التي لم تُكتب إن البلاغة هربت ذات ليلة من أحد الكتب، ضاقت بالتعريفات التي حبستها قرونًا، وخرجت تبحث عمن يعيد إليها حياتها، فوجدت رفيقة بن رجب بين الكتب، وقد أصبحت باحثة وأستاذة في النقد والبلاغة. وقفت البلاغة أمامها متعبة وقالت: لقد حولوني إلى قائمة. استعارة وتشبيه وكناية ومحسنات، ثم أغلقوا الكتاب وذهبوا. وبعد لحظات وصلت الفصاحة غاضبة وقالت: وأنا لم أعد أعرف أين أنتهي وأين تبدأ هي. عندئذ لم تقدم رفيقة حكمًا بينهما، بل وضعت مرآة على الطاولة وقالت: انظرا.
وما ظهر في المرآة لم يكن وجه الفصاحة ولا وجه البلاغة، بل تاريخ طويل من اللغة وهي تحاول أن تفهم قدرتها على الجمال والتأثير. هنا يصبح اشتغال رفيقة بن رجب على التداخل بين مصطلحي الفصاحة والبلاغة أكثر من تمرين أكاديمي في الحدود؛ إنه جزء من ميل أعمق إلى المناطق التي تنهار فيها الأسوار المصطنعة. فاللغة لا تعيش داخل صناديق المصطلحات، كما أن المدينة لا تعيش داخل خطوط الخريطة، والإنسان لا يعيش داخل تعريف واحد. كانت تجربتها كلها قد علمتها ذلك: البحر يصل المنامة بالهند، العائلة تصل الحاضر بالماضي، الجدة تصل الفقد بالأمان، بغداد تصل الخليج بفضاء عربي آخر، والقاهرة تضيف طبقة جديدة إلى التكوين، فلماذا يجب أن تكون المفاهيم جزرًا معزولة؟ ثم طرق الباب رجل آخر من الماضي. دخل ابن المعتز حاملاً طبقات الشعراء، ووضع الكتاب أمامها، لكن الغبار الذي يفترض أن يغطي الكتب القديمة لم يكن عليه. سألها: من أخبركم أن القديم ميت؟ ومن أخبركم أن الحداثة تبدأ في التاريخ الذي تختارونه لها؟ ومن هنا يمكن أن نرى معنى انشغالها بتجليات الحداثة في كتاب طبقات الشعراء لابن المعتز: لم تكن المسألة أن نمنح نصًا قديمًا بطاقة هوية حديثة، بل أن نكتشف أن الأزمنة نفسها أكثر مراوغة من التقسيمات المدرسية، وأن الماضي قد يخبئ إمكانات لم تكن أسماؤها قد ولدت بعد. وكان ابن المعتز في الحكاية يفتح طبقاته واحدة بعد أخرى، فتخرج منها أسئلة معاصرة، بينما المنامة تقف خلفه مبتسمة لأنها تعرف هذه اللعبة؛ فهي أيضًا تحمل القديم والحديث في الجسد نفسه، وتعرف أن الشارع الجديد قد يمر فوق ذاكرة طريق قديم من غير أن يمحوها. ثم جاء ابن الأثير ومعه المثل السائر، لكنه وجد شخصًا مجهولًا جالسًا أمام الكتاب. قال: من هذا؟ قالت رفيقة: القارئ. ابتسم ابن الأثير، لكن الكتاب ارتجف. ففي اللحظة التي دخل فيها القارئ إلى الحكاية لم يعد النص ملك مؤلفه وحده. صار المعنى يحدث في المسافة بين المكتوب ومن يقرأه. وهنا ظهرت سيكولوجيا التلقي كأنها غرفة كانت موجودة في البيت منذ البداية لكن أحدًا لم يفتح بابها. فالفتاة التي قرأت المنفلوطي بعد فقد أمها لا تقرأه كما يقرأه إنسان آخر؛ والمرأة التي عاشت مدينة تتحول لا تدخل نصوص التراث بالذاكرة نفسها التي يدخل بها قارئ بلا تلك التجربة.
نحن لا نقرأ الكتب فقط، بل تدخل حياتنا معنا إلى الكتب، تجلس بجانبنا، وتتدخل في كل سطر. ومن هنا يصبح النص كائنًا متعدد الأعمار؛ يولد مرة حين يكتبه صاحبه، ثم يولد في كل قارئ من جديد. وربما لهذا كان عنوان نبض النص بالغ الدلالة في عالم رفيقة بن رجب، لأن النص عندها ليس جثة يضعها الناقد على طاولة التشريح ثم يخرج منها بأسماء الأعضاء. النص قلب. والأسلوبية محاولة لسماع دقاته. والقراءة الجمالية ليست زينة ملحقة بالتحليل، بل اعتراف بأن الأدب يموت إذا عرفنا كل شيء عن بنيته ونسينا لماذا ارتجفنا حين قرأناه. في تلك الليلة العجائبية بدأت الكتب كلها تتحرك. رفض التشبيه أن يبقى في الهامش، فخرج يبحث عن الشيئين اللذين جمعهما. نزعت الاستعارة قناعها فظهر تحتها قناع آخر. غضبت القصيدة من ناقد شرحها حتى قتلها، فقفزت من الصفحة وهربت عبر النافذة. أما المعنى فاختبأ تحت الطاولة، لأن الجميع كانوا يتحدثون عنه ولم يسأله أحد عما يريد. جلست رفيقة وسط الفوضى، ولم تحاول إعادة الأشياء إلى أماكنها، لأنها كانت تعرف السر: وظيفة النقد ليست دائمًا أن يعيد النظام إلى النص؛ أحيانًا تكون وظيفته أن يكشف الفوضى الجميلة التي أخفاها النظام. وهنا تحديدًا تتضح فرادة تجربتها: إنها تنتمي إلى ذلك النوع من المشتغلين باللغة الذين يقفون بين المدرسة والدهشة، بين المصطلح والإحساس، بين صرامة الجامعة والطفلة التي فتحت كليلة ودمنة ذات يوم فرأت الحيوانات تتحدث. والخطر الأكبر الذي يهدد الناقد ليس الخطأ في تعريف مصطلح، بل أن ينجح في تفسير الأدب إلى الحد الذي لا يبقى معه أدب. لذلك ظلت تلك الطفلة تسكن في مكان ما من الأستاذة، وكلما تراكمت المفاهيم حول النص خرجت وسألت سؤالًا بسيطًا مرعبًا: جميل، ولكن أين السحر؟ وعندما يعجز النقد عن الإجابة، تكون الطفلة قد انتصرت.
المرأة التي أعادت أباها إلى المستقبل
ثم ولد علي، وتغير اتجاه الزمن. لم يعد الماضي وحده هو الذي يسكن رفيقة؛ صار المستقبل يمشي أمامها على قدمين صغيرتين. كان ابنها الوحيد، وكان أملها وصديقها، ومع نموه بدأت الحكاية التي ظنت أنها تخصها تكشف عن هندستها الخفية. فالطفلة التي فقدت أمها في العاشرة وعاشت تجربة أب اختار أن يجعل أبناءه مركز حياته أصبحت أمًا ترى العالم من خلال ابنها، وكأن الزمن رسم دائرة هائلة وأعاد السؤال نفسه بصورة أخرى: ماذا نترك فيمن يأتي بعدنا؟ كبر علي، درس الهندسة، تميز في دراسته، حصل على البكالوريوس ثم الماجستير من الولايات المتحدة، وكانت أمه تراقب الطريق الذي يصنعه بنفسه، لكن شيئًا أقدم من الجميع كان يسير معه.
كان الجد الذي لم يره القارئ إلا أبًا لرفيقة حاضرًا بطريقة لا تحتاج إلى جسد. القيم التي زرعها في أبنائه عبرت إلى حفيده، وكأن الفضائل تعرف كيف تهاجر مثل الذهب، لكنها لا تحتاج إلى سفينة. وهنا انفتح الباب الأخير في الأسطورة: اكتشفت رفيقة أن الإنسان لا يرث البيوت والأسماء والأشياء وحدها؛ يرث طرائق الوقوف أمام العالم. الأب الذي فقد والديه طفلًا ثم رفض أن يترك أبناءه للفقد صنع، من دون أن يدري، ميراثًا أخلاقيًا. ابنته حملته إلى حياتها. وابنها حمل شيئًا منه إلى مستقبله.
وهكذا صار الزمن أقل شبهًا بخط وأكثر شبهًا بنهر يدور سرًا تحت الأرض ثم يظهر بعيدًا في مكان لا يتوقعه أحد. في هذه النقطة تتجاوز حكاية رفيقة بن رجب حدود السيرة الشخصية لتصبح حكاية ثقافية عن انتقال المعنى بين الأجيال؛ فالثقافة ليست الكتب التي توضع على الرفوف فقط، وإنما أيضًا الطريقة التي يتحول بها سلوك فرد إلى ذاكرة عائلية، ثم إلى قيمة، ثم إلى اختيار عند شخص لم يشهد الواقعة الأولى. وربما لهذا يمكن القول إن أعظم نص قرأته رفيقة لم يكتبه المنفلوطي ولا ابن المقفع ولا ابن المعتز ولا ابن الأثير؛ كتبه أبوها من دون حبر.
كانت صفحاته سنوات حياته بعد رحيل زوجته، وكانت جمله أبناءه السبعة، وكانت بلاغته ذلك القرار الصامت بأن يحمل المسؤولية حتى النهاية. قرأت رفيقة ذلك الكتاب، ثم حملته في داخلها، وحين جاء علي قرأ نسخة أخرى منه من خلال أمه. عند هذه النقطة كانت المنامة قد تغيرت كثيرًا. بعض الملامح التي عرفتها الطفلة انزاحت، والأحياء تبدلت، والإيقاع القديم تراجع أمام مدينة أخرى تتشكل فوقه، لكن المدن لا تختفي حين تتغير عمارتها؛ تختفي حين يموت آخر شخص يحتفظ بنسختها السرية. ولهذا كانت هناك منامة أخرى تسكن رفيقة بن رجب: منامة المخارقة، والبيوت والعائلات، ودكان المجوهرات، والجد منصور المحروس، والجدة، والأب، والطفلة التي ذهبت إلى الهند، والفتاة التي فتحت أول كتاب، والشابة التي سافرت إلى بغداد ثم القاهرة.
لم تعد هذه الأشياء متجاورة في الواقع، لكنها تجمعت في الذاكرة وصنعت مدينة أكثر غرابة من المدينة الحقيقية، مدينة لا تهدم بيوتها الجرافات لأنها مبنية من الزمن. وفي مساء متخيل، بعد أن نامت الكتب في مكتبتها، سمعت رفيقة طرقًا على الباب. فتحته فلم تجد أحدًا. كان على الأرض مفتاح قديم. التقطته فعرفته، مع أنها لم تره من قبل. كان مفتاح المنامة التي أخفته المدينة لها في بداية الحكاية. خرجت به، فإذا الأزقة القديمة تعود تحت قدميها، وإذا متجر الجد يضيء، وإذا الذهب يهمس بلغات الرحلات القديمة، وإذا الجدة تقف عند نهاية الطريق، وإذا الأب يسير بعيدًا وحوله سبعة أطفال، وإذا فتاة صغيرة تجلس على عتبة بيت وفي حجرها كليلة ودمنة. اقتربت رفيقة من الفتاة، وحين رفعت الصغيرة رأسها اكتشفت أنها تنظر إلى وجهها هي. لم تقل لها شيئًا. لم تكن هناك حاجة إلى الكلام. مدت الطفلة يدها نحو المفتاح، لكن رفيقة لم تعطها إياه. أشارت فقط إلى الكتاب. عندئذ فتحته الصغيرة، فخرج منه طريق طويل، عبر بغداد، ثم القاهرة، ثم الجامعة، ثم الكتب، ثم وصل إلى رجل شاب يحمل شهادة هندسة ويمشي نحو مكان بعيد. كان علي. التفتت رفيقة تبحث عن أبيها، فوجدته واقفًا خلفها.
أرادت أن تقول له إن ما فعله لم يضع، وإن السنوات التي حمل فيها أبناءه وحده عبرت الزمن ووصلت إلى حفيده، لكن الأب، في هذه الحكاية، ظل وفيًا لطريقته القديمة: لم يحتج إلى الكلام. اكتفى بأن نظر إلى الطريق. عندها فهمت رفيقة لماذا أمضت حياتها تقرأ البلاغة: لأنها كانت تعيش منذ طفولتها داخل أعظم أشكالها، المعنى الذي لا يحتاج إلى تصريح. وفجأة بدأت الشخصيات تختفي. عاد ابن المقفع إلى كتابه. أغلق ابن المعتز طبقاته. أخذ ابن الأثير المثل السائر ومضى. عادت الفصاحة والبلاغة إلى المعجم بعد أن تصالحتا مؤقتًا. اختفى متجر الذهب. ابتعدت الهند وراء البحر. مشت بغداد والقاهرة في اتجاهين مختلفين. صعد علي طريقه إلى المستقبل. وظل الأب لحظة إضافية، ثم استدار وغاب. لم يبق في الشارع إلا المرأة والطفلة والمنامة. عندها اقتربت المدينة من رفيقة، وكانت عجوزًا الآن، أو ربما كانت دائمًا عجوزًا، وقالت لها: أعيدي إلي مفتاحي. نظرت رفيقة إلى يدها، فلم تجد المفتاح. بحثت في ثيابها، في حقيبتها، بين الكتب، فلم يكن هناك. ضحكت المنامة. وأشارت إلى صدرها. كان المفتاح هناك. لم يكن معدنًا، ولم يكن شيئًا يمكن تسليمه. لقد تحول خلال السنوات إلى ذاكرة. وفي تلك اللحظة فقط فهمت رفيقة بن رجب أن المدينة لم تمنحها مفتاحًا لكي تعود إليها، بل لكي تمنعها من الاختفاء. فالمدن لا تحتاج دائمًا إلى مؤرخ يكتب تواريخ مبانيها؛ تحتاج أحيانًا إلى إنسان يحمل مذاقها، وإيقاع بيوتها، وأسماء عائلاتها، وأحزانها الصغيرة، وأسفارها، وكتب أطفالها، والذين رحلوا عنها ولم يرحلوا منها. ثم وقع الشيء الأخير.
تقدمت الطفلة ذات العشرة أعوام نحو المرأة التي صارتها، ورفعت كليلة ودمنة، وسألتها: بعد كل هذه السنوات، هل عرفت ماذا يوجد داخل الكتاب؟ نظرت رفيقة إلى الصفحات، ثم إلى المدينة، ثم إلى الطريق الذي اختفى فيه أبوها، وإلى الطريق الآخر الذي مضى فيه ابنها، وفهمت أن السؤال كان خطأ منذ البداية. لم تكن حياتها رحلة لمعرفة ما يوجد داخل الكتب. كانت الكتب هي التي أمضت عمرها كله تحاول أن تعرف ما يوجد داخلها. أغلقت الطفلة الكتاب. أطفأت المنامة آخر مصباح في المخارقة. وقبل أن يحل الظلام تمامًا، لمع شيء صغير في آخر الزقاق. ظنته رفيقة قطعة من ذهب جدها، لكنها حين اقتربت اكتشفت أنه المفتاح نفسه، ملقى على الأرض كما كان في بداية الحكاية، ينتظر طفلة أخرى لم تولد بعد. عندها أغلقت المنامة بابها، ونامت مطمئنة؛ فقد عرفت أخيرًا أن المدن لا تموت عندما تُهدم بيوتها، ولا عندما تتغير شوارعها، ولا حتى عندما يرحل أهلها. المدن تموت فقط عندما تفقد آخر إنسان يستطيع أن يحلم بها. وكانت رفيقة بن رجب، طوال تلك السنوات، لا تسكن المنامة كما ظنت؛ كانت المنامة هي التي تسكن فيها.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


