فيصل النعمان.. صوت الخشوع وصدى الهجوع
إيلاف -

عبده الأسمري

ما بين جميل «الصدى» وأصيل «المدى» كان صوته «الفيصل» الذي حول «الأذان» إلى «لحن سماوي» يغمر «القلوب» بترانيم «الجمال» ويستعمر «الأفئدة» بتراتيل «الامتثال» في «منظومة» صوتية اكتمل فيها «اليقين» بدراً على مرأى «السكينة».

وزع «أثير» الخشوع وزرع «عبير» الهجوع في فضاءات «خاشعة» ملأت «الوجدان» ببصائر «الحق» وصنعت «الاطمئنان» ببشائر «التقوى» في «نعمة» الاستماع إلى «أجواء» التكبير وأصداء» التوحيد والاستمتاع بنداء «الصلاة» واقتداء «الفلاح» وبشرى «الإقامة» في مشهد «روحاني» يصعد بالكلم «الطيب» من إمضاء «الأرض» إلى ضياء «السماء».

عانق بالأداء «مكبرات» طيبة الطيبة فتناغمت «جودة» اللفظ لتضيء بالروحانية ما بين الغسق والفجر وتنشر «الطمأنينة» على قدوم الظهر ومقدم العصر وتعلن «السكينة» أمام حلول «المغرب» ومثول «العشاء» في مشهد مبهج أضاء «فضاءات» الزمان والمكان.

إنه مؤذن المسجد النبوي الشريف الشيخ فيصل بن عبدالملك النعمان رحمه الله أحد أشهر المؤذنين في العالم الإسلامي.

بوجه «مديني» تعلوه سمات «الورع» وومضات «التقى» وسحنة حنطية باهية «الملامح» وزاهية «التقاسيم» وعينان تسطعان بلمحات الود ونظرات التواد وأناقة تعتمر البياض والبشوت «الملونة» التي تعكس سمو «المحفل» ورقي «المقام» وصوت شجي وصدى ندي أبهج «المآذن» وشغف «الآذان» ونشر «الاطمئنان» وصدى «لفظي» قوامه «التكبير» الفاخر ومقامة «التذكير» الراسخ في «أبهى مقام» و»أزهى مكان» مؤذناً بالحق ومنادياً بالذكر وصادحا بالحق في سيرة جليلة تعطرت بأسمى «المهام» وتسطرت بأرقى «الإلهام» قضى النعمان من عمره عقودا وهو يرفع نداء «الحق» ويعلي صوت «الأذان» في محفل «رسخ» في قلب «الذكرى» وترسخ في قالب «الذاكرة» وامتزج بمعاني «العبادة» وتواءم مع مشاهد «التقوى» مؤذناً بارزاً وأنموذجاً قديراً ترك اسمه «ساطعاً» في متون الفخر وصيته «لامعاً» في شؤون «الشرف».

في «المدينة المنورة» ولد عام 1374هـ وتفتحت عيناه على أب تقي زاهد وأم حنونة عطوفة وتناقلت المنازل «المدينية» المسجوعة بطيب الجوار وحسن الجيرة النبأ المبارك وأطلق عليه والده «اسم» فيصل تفاؤلاً بدواعي المسمى وتيمناً بمساعي المعنى وامتلأ منزل والده «المؤذن المشهور» صاحب الصوت «المديني» الرخيم بصدى الفرح ومدى السرور.

توسمت «أعماقه» بتربية صالحة فالحة قوامها «حب الخير» ومقامها «حسن الخلق» وظل يلاحق أصداء «الصيت الساطع» لجده الذي كان «شيخ المؤذنين بالحرم المدني الشريف» ومضى يقتبس من صوت والده «الألحان الشجية» للأذان الذي ترسخت في «وجدانه» واستعمرت «داخله» وملأت «ذاكرته» الغضة بتراتيل «الذكر» الباكر الذي اقترن بأريج «التذكير» اللاحق في سنوات عمره ومحطات حياته.

تعتقت نفسه صغيراً بنفائس «السمو الديني» أمام الروضة الشريفة وتشربت روحه أنفاس»الطهر» المديني في ساحات المسجد النبوي وارتوى من ينابيع الفضائل وانتهل من مضامين المكارم فتولى عن «زخرف» الطفولة مبكراً مولياً قبلة «همته» شطر «السكينة» مستلهماً من نداء «الأذان» في طيبة الطيبة «موعداً» لا يخلفه ماضياً مع «تفاصيله» في رحلة من «الروحانية» تبدأ بالإنصات وتستمر بالترديد وتنتهي بالدعاء.

ركض الطفل «النابه» مع أقرانه بين أحياء العوالي والأغوات، وباب المجيدي، وباب الشامي وزقاق الطيار مراقباً ملامح «البساطة» في عيون العابرين على «عتبات» القدوم وملاحم «الوجاهة» في مرابع الماكثين في «مجاميع» التعلم وظل يؤنس «نهاره» برصد «الضياء» في مناظر «الخاشعين» ومشاهد «الهاجعين» العاكفين والركع السجود في جنبات «المسجد النبوي».

أنصت صغيراً للحن السماوي المزيج ما بين مد «التكبير» وطول «الترتيل» في أذان والده الذي أتخذه «منبعاً» لتعلم «الأذان» وفق أصوله وفصوله لتسخير «الصوت» وتكريس «الجهد» وترسيخ «الموهبة» في تجسيد «الأداء» في مشهد «مبارك» يملأ «الأنفس» برياحين «الذكر» ويبهج «الأرواح» بعناوين «التذكير».

ظل «النعمان» يردد على مسامع «والديه» كل مساء «بروفات» أولى للأذان والإقامة قبل أن يطبع على جبينيهما «قبلات» البر في وقت تنبأ الكثير من شهود «الزمان» حضور مشروع «مؤذن» يحمل في حنجرته صوتاً شجياً ويجمع في قلبه شغفاً ملياً مما حول بوصلة «التوقع» إلى «صواب» التأكيد ما بين الماضي والمستقبل.

درس في المدينة المنورة جميع مراحل التعليم العام ونال درجة «البكالوريوس» من جامعة طيبة وتم تعيينه رسمياً كمؤذن في المسجد النبوي الشريف منذ بداية عام 1422هـ.

ارتبط صوته بذاكرة «المدينة المنورة» وامتزج صداه في «منظومة» لحنية فريدة ملأت قلوب «السامعين» بجميل العبارة ورونق «الكلم» في نداء «الحق» إلى «شعيرة» الصلاة في أجواء مزجت السلوك بالمسلك وتناغمت ما بين الجمال والامتثال.

غرس في شواهد «العطاء» «أصول اللحن» و»أصالة المد» و»تأصيل الجهد» فاقترن اسمه بسجلات الاعتزاز وميادين الإنجاز.

ارتبط فكرياً ولفظياً وروحانياً مع المهمة المباركة العظيمة التي زادته «أناقة صوتية» و»تأنق لفظي» فظل صوته مذكراً ومكبراً بنغمات «فريدة» اقترنت بتوافد الملايين من المصلين والزائرين الذين ارتبطت أرواحهم بالنداء الفريد الذي شكل مقطوعة صوتية باهرة زاخرة في مشاهد «الوجود» وشواهد «الحضور».

سكن صوته أرواح المصلين واستكانت الأنفس لوصلاته الذهبية المنطلقة من لسان تعطر بذكر الله فسطر نداءً علنياً غمر القلب واعتمر العقل.

اتبع الشيخ فيصل في أدائه المدرسة المدينية المعتمدة على المد الهادئ والخشوع العميق والوصلات «المتناغمة» ما بين التعبير والتذكير في مواءمة مثلى ما بين جميل العبارة ورونق المهارة.

كان آخر أذان له فجر يوم الأحد 11 جمادى الأولى 1447هـ.

انتقل الشيخ النعمان إلى رحمة الله في المدينة المنورة في شهر رجب من عام 1447هـ عن عمر يناهز الـ73 عاماً ودفن في بقيع الغرقد وتناقلت وسائل الإعلام خبر رحيله وامتلأت وسائط التواصل الاجتماعي بعبارات «النعي» ونصوص التعازي المقترنة بمأثر الشيخ الفاضل الشخصية والمهنية والإنسانية.

أفنى الشيخ النعمان عمره في رفع نداء الرحمن.. وترديد صوت الحق.. ونشر صدى التعبد في مسيرة تجللت بالأمانة وتجللت بالمكانة لتبقى درباً ساطعاً بالأثر والتأثير بين اتجاهين من كرم الدنيا وتكريم الآخرة.. وتوقيعاً ثابتاً في ذاكرة «الحرم المدني» ووقعاً مثبتاً في استذكار «المشهد الروحاني».

الشيخ فيصل النعمان.. صوت الخشوع وصدى الهجوع ووجه العطاء المميز وواجهة الأداء الفريد في قوائم «المؤذنين» ومقامات «المؤثرين».



إقرأ المزيد