الانتصار الأميركي في فنزويلا... هل يساعد الصين؟
إيلاف -

الهجوم الجريء، الذي تم خلاله اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كان استعراضاً مذهلاً للقدرات التي تجعل الجيش الأميركي الأفضل في العالم إلى حد كبير. ويمثل ذلك دليلاً على تطبيق دونالد ترمب الواقعي لمبدأ مونرو، ويذكّرنا بولعه الشديد باستخدام القوة بطرق جديدة غير متوقعة.

مما لا شكَّ فيه أن ترمب قد أطاح قائداً مريباً، ووجّه ضربة ذات أهمية في الصراع على السلطة العالمية. مع ذلك يثير الهجوم، الذي وقع في كراكاس، أسئلة أكثر صعوبة بشأن مستقبل فنزويلا، والصدام من أجل النفوذ في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وقواعد السلوك في عالم مضطرب تسوده الفوضى.

ويعدّ نجاح العملية، من دون وقوع أي قتلى من الجانب الأميركي، شهادة على ما تتمتع به الأجهزة الاستخباراتية الأميركية من قدرة على تحديد أهداف صعبة وقدرة الجيش الأميركي على إصابتها. كذلك يمنح هذا الأمر ترمب تذكار نصر في حملته الخاصة بالنصف الغربي من الكرة الأرضية.

ويطبق ترمب منذ توليه الرئاسة العام الماضي إجراءات متعددة، من بينها ضغط دبلوماسي على بنما، ودعم للحكام الودودين في الأرجنتين والسلفادور، والإكراه المتصاعد ضد مادورو، وتنفيذ هجمات مهلكة ضد مهربي مخدرات مشتبه بهم، من أجل إعادة التأكيد على تفوق وصدارة الولايات المتحدة في الأميركتين.

يبدو أن مادورو سوف يقضي على الأرجح سنوات عديدة في أحد السجون الأميركية. ويعدّ مصيره بمثابة تحذير قوي يوضح مدى جدية هذه الإدارة الأميركية في التعامل مع تهديد قادة أميركا الجنوبية العدوانيين، ممن يسعون وراء إقامة علاقات مع بكين وموسكو، وهي حقيقة أكّد عليها ترمب بعد تنفيذ الهجوم. كذلك أوضح الهجوم طريقة ترمب المفضلة في الحرب. وفي يونيو (حزيران) استخدم ترمب أساليب الخداع والتضليل والمعلومات المضللة لإخفاء الاستعدادات الخاصة بهجومه على منشآت نووية إيرانية. ولجأت إدارته إلى اللعبة ذاتها خلال الأيام القليلة الماضية.

والهدف وراء التقارير، التي تشير إلى قبول ترمب محاصرة النفط الفنزويلي أو إلى استعداده للتفاوض، هو منح مادورو إحساساً زائفاً بالأمان. وتتضمن طريقة ترمب في الحرب الاستغلال الأمثل للسرية وعنصر المباغتة، الذي يؤكد مزايا الولايات المتحدة، مع تمهيد الطريق لاستخدامات محددة للقوة تسمح للرئيس ببدء وإنهاء الصراعات وفقاً لشروطه.

إضافة إلى ذلك، هناك مثيل آخر لهجوم ترمب على إيران، وهو أن هذا الهجوم يوضح حدود التضامن بين القوى غير الديمقراطية. تتذمر كل من روسيا والصين من انتهاكات سيادة فنزويلا. لقد أبقيا على مادورو لسنوات عديدة، لكنهما لا يسعهما سوى طرح أفكار والدعاء في مواجهة قوة أميركية قوية الإرادة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مثلما لم يستطيعا أو يرغبا في إنقاذ النظام الإيراني من الإهانة العسكرية التي تلقاها على أيدي إسرائيل والولايات المتحدة.

هناك كثير مما يستحق الإطراء في نجاح مرحلي، من المرجح أن تكون له فوائد استراتيجية حقيقية. وهناك أيضاً كثير من الأمور غير اليقينية. يتضمن الأمر الأول مستقبل فنزويلا. لقد حقق ترمب تغييراً في القيادة، لكنه ليس تغييراً للنظام، حيث لا يزال هناك كثير من الشخصيات المتشددة في حكومة مادورو. وقد تعهد ترمب بأن الولايات المتحدة سوف «تدير البلاد» للإشراف على عملية التحول الديمقراطي، وقد هدّد بتنفيذ هجمات أخرى في حال عدم تعاون فلول النظام. مع ذلك، في حال نجاح هذه العملية، قد تكون أي عملية تحول سياسي طويلة، وتتسم بالفوضى نظراً لتضمنها إصلاح الضرر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الناجم عن حكم تشافيز (التشافيزية) الذي امتد لـ30 عاماً تقريباً. سوف نرى مدى ميل ونزوع رئيس متبنٍ لمناهضة بناء الدولة لهذا الأمر.

الأمر الثاني هو أن صراع القوى العظمى على زعامة النصف الغربي من الكرة الأرضية أبعد ما يكون عن النهاية. لقد قضتِ الصين عقوداً في الاستثمار في البنية التحتية والتجارة وبناء علاقات أخرى مع دول أميركا اللاتينية. وتشمل آثار نفوذها المواني الهائلة في جمهورية بيرو، ومحطة التعقب الفضائية الضخمة في بوليفيا. ويتسع نطاق صلاتها بالشرطة والأمن بشكل كبير أيضاً.

وقد أصدرت بكين مصادفة ورقة بحثية بشأن انخراطها في أميركا اللاتينية في ديسمبر (كانون الأول). وكان الجزء الأول منها يشير إلى تغير توازن القوى العالمي بطرق تفضل توسع نطاق النفوذ الصيني. وقد صرح ترمب بأن هناك قوة عظمى واحدة في الأميركتين فيما يتعلق بالقوة العسكرية، فدول أميركا اللاتينية سوف تكون أكثر حذراً بشأن السماح لبكين بالانخراط في أي شيء يبدو مثل قاعدة، على الأقل حالياً. مع ذلك، سوف تواصل الصين تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية في المنطقة، في إطار لعبة تستهدف الحصول على امتياز طويل الأمد.

في النهاية، ربما تستغل أطراف فاعلة سيئة هذه السابقة. وترى إدارة ترمب على أساس معقول أن هذه العملية كانت قانونية، لأن مادورو كان يواجه لائحة اتهام أميركية. ويمكنها الإشارة إلى غزو بنما عام 1989 لإطاحة مانويل نورييغا كدليل على أن واشنطن قد فعلت مثل ذلك في الماضي.

مع ذلك، إذا كانت بكين تكتفي بالمراقبة من كثب، ربما كان ذلك لأن الأساليب، التي يتبّعها ترمب من محاصرة دولة معادية والإطاحة برئيسها، قد تكون في النهاية مفيدة في مواجهة تايوان. خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة حيث ساد النظام أحادي القطب لم يكن على الولايات المتحدة أن تقلق بشأن منافسين وخصوم قد يحاكون أساليبها، لكن في عالم اليوم، الذي يتسم بقدر أكبر من التحدي، ما تقدّمه من مثل ونموذج قد يُستخدم يوماً ما بطرق بغيضة قذرة.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»



إقرأ المزيد