هروب الزبيدي لا يعفيه من المحاكمة الغيابية
إيلاف -

خالد بن حمد المالك

لم نُفاجأ حين اختار عيدروس الزبيدي الهروب إلى الخارج، بدلاً من أن يواجه الهزيمة المذلة لقواته، وطردها من مواقعها، وإقصاء قادتها من مواقعهم، وإحالتهم للتحقيق، وهو في مقدمتهم، فهذا ما يلجأ إليه الجبناء، والزبيدي ليس استثناءً حتى يختار ما هو أبقى لحياته من خلال الهروب، ودون إطلاع عناصر قواته على نيته المبيَّتة في الهروب.

* *

المفاجأة كانت في سرعة استسلامه للهزيمة، والتحضير للهروب، والدعم الخارجي الذي تلقاه، وإحاطة تفاصيل مراحل ومحطات الهروب جواً وبحراً بالسر، وقدرة التحالف على كشف كل هذه الأسرار، رغم وضع كل الاحتياطات لمنع تسرُّب أي معلومة عنها.

* *

وما كان مدهشاً، ومثيراً للانتباه، أن من كانوا معه في قوات المجلس الانتقالي من القياديين اكتشفوا سريعاً أن الزبيدي الهارب كان يخطِّط لمصالحه الشخصية، لا لخدمة أبناء الجنوب، وأنه رمى بمصالح المواطنين عرض الحائط ليحمي نفسه من الموت، أو من المحاكمة، ما جعلهم ينضمون إلى الشرفاء من أبناء الجنوب، لرسم مستقبل بلادهم من خلال حوار يتم في الرياض.

* *

لا يهمني كيف هرب، وكيف ضلَّل زملاءه، وكيف خدع الانتقالي، ولا معرفة المحطات التي مرَّ بها في طريقه لضمان طوق النجاة، فكل هذه تفاصيل أعلن عنها التحالف بدقة، رغم كل التعتيم الذي صاحب رحلة الخوف والذعر والتوجُّس من أن يتم إلقاء القبض عليه، ما يهمني أنه ظهر على حقيقته، جباناً بامتياز، وصاحب مشروع تدميري لليمن، وخائناً مكانه في مزبلة التاريخ.

* *

ولكن من باب التوثيق، اعتماداً على بيانات تحالف دعم الشرعية باليمن، فقد بدأت رحلته البائسة بالتوجه إلى إقليم أرض الصومال، حيث يزورها وزير خارجية إسرائيل، استعداداً للاعتراف بها دولة، وتبادل السفراء فيما بينهما، وهذا الاختيار لهذه الوجهة دلالته، وكانت الانطلاقة قد تمت من عدن في جنح الليل الدامس، وصولاً إلى ميناء (بربرة) ومنها بالطائرة بمساعدة ضباط إماراتيين إلى جهة المغادرة (مقديشو) ثم إلى مطار (الريف) العسكري في (أبوظبي)، ولم أدخل بالتفاصيل عن سير رحلة كانت تحمل ما كان يُعتقد أن تفاصيلها لن تُكتشف، خاصة دور الأطراف الخارجية التي كانت جزءاً من رحلة الإنقاذ للهارب الجبان، فإذا بكل المعلومات عنها يتم تداولها بالأرقام والتوقيت والأماكن، وأسماء المساعدين.

* *

ولا يخامرني أدنى شك -كغيري- أن هروب الزبيدي عن طريق الجو يؤكِّد أنه تم بتنسيق مع جهات خارجية، وأن تحركاته الأخيرة، وقراراته التي اتخذها باسم القضية الجنوبية كانت بدعم خارجي، يخدم بها أجندته ومصالح دول أخرى، بعيداً عن مصلحة القضية الجنوبية وشعب الجنوب، وأن من يقف وراء تحركات الزبيدي وقراراته الأخيرة المؤجِّجة للصراع في اليمن، هي نفس الجهة التي خطَّطت لهروبه، وأمَّنت له مسار تحركاته، بحراً وجواً.

* *

الزبيدي فضح نفسه بنفسه، وكشف عن سوءاته، وظهر على حقيقته، أنانياً، ذا مصالح شخصية، لا يتردد في التضحية بمن كانوا معه، فها هو يُرسل إلى الرياض من باب التمويه لمصلحته الشخصية، أعضاء من المجلس الانتقالي، على أن يلحق بهم، فإذا به يقوم بالهروب، دون وجود علم مسبق لديهم، ما يعني أن ادعاءه بأنه المدافع عن القضية الجنوبية ليس سوى ذرٍّ للرماد في العيون، لإخفاء أجندته الشخصية، وأن عمله إنما كان لمصالحه الشخصية، وللأطراف الخارجية التي يمثِّل عميلاً رخيصاً لها.

* *

ومن المؤكَّد أن إسرائيل طرفٌ رئيسٌ في هذا الهروب المذل، فاستغلال أرض الصومال في أولى محطات وصوله من عدن، وهي التي لم يُعترف بها إلا من إسرائيل، يعني أن الزبيدي ينتمي لمحور يتشكَّل في المنطقة، ويتجاوب مع الأجندة الإسرائيلية، ويتعاون معها في تحقيق أهدافه، ولحسن الحظ أن ما تم كشفه من معلومات حول تفاصيل مسار الهروب، كان يمكن أن يكون في حكم الاستحالة، لولا أنه يعكس القدرات العالية لدى الاستخبارات السعودية التي كشفتها، والتي سخَّرتها لدعم أمن واستقرار اليمن ودول المنطقة.

* *

ولا بد من التأكيد على أن هروب الزبيدي تم بعد هزيمته ومجلس انتقاله، وبعد أن ارتكب أفعالاً مجرمة، وفق قانون الجرائم والعقوبات اليمني، شملت الخيانة العظمى، بقصد المساس باستقلال الجمهورية، وتشكيل عصابة مسلحة، وارتكاب جرائم قتل ضباط وجنود من القوات المسلحة، كما اقترف مخالفات مجرمة، وفق قانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا، منها خرق الدستور، ومخالفة القوانين، والمساس بسيادة واستقلال البلاد، وآن الأوان لتقديمه للمحاكمة غيابياً إلى أن يتم القبض عليه، لتُنفذ فيه الأحكام.



إقرأ المزيد