إيلاف - 1/12/2026 6:40:44 AM - GMT (+3 )
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الصناعية، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة الاقتصادية، لم تعد المعادن مجرد موارد طبيعية تُستخرج من باطن الأرض، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في بناء الاقتصاد العالمي الجديد. فهي الأساس الذي تقوم عليه مشروعات الكهرباء، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية، والتصنيع المتقدم، والصناعات الدفاعية، وكلها قطاعات تشكّل ملامح المستقبل القريب. وفي خضم هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة قرأت المشهد مبكرًا، واختارت أن تكون شريكًا في صناعة المستقبل لا متلقية لنتائجه.
تحت رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود "حفظه الله" تستضيف المملكة منتدى مستقبل المعادن 2026 خلال الفترة من 13 إلى 15 يناير في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بمدينة الرياض. انعقاد المنتدى في هذا التوقيت ليس حدثًا عابرًا، بل يأتي في لحظة عالمية دقيقة يشهد فيها الطلب على المعادن الحيوية تصاعدًا غير مسبوق، وسط تحديات متزايدة في سلاسل الإمداد، وسباق دولي على تأمين الموارد الاستراتيجية اللازمة للصناعة والطاقة والتقنية.
منذ انطلاقه، لم يُصمَّم منتدى مستقبل المعادن ليكون فعالية موسمية أو مساحة حوار نظرية، بل منصة تتطوّر مع تطوّر القطاع نفسه. ففي نسخه السابقة، أسهم المنتدى في وضع ملف التعدين والمعادن الحيوية على طاولة النقاش العالمي، وجمع الدول الغنية بالموارد مع الأسواق الصناعية والمستثمرين، لبحث التحديات المرتبطة بالاستكشاف، والحوكمة، والاستدامة، وسلاسل القيمة. ومع مرور الوقت، تحوّل المنتدى إلى مرجعية دولية ناشئة في هذا المجال، ونافذة تُطل منها المملكة على مستقبل قطاع يعد من أكثر القطاعات تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.
النسخة القادمة من المنتدى تأتي في مرحلة أكثر نضجًا؛ إذ لم يعد السؤال المطروح هو أهمية التعدين بحد ذاته، بل كيفية بناء منظومة تعدين متكاملة قادرة على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة حقيقية. وهنا يبرز التحول في أجندة المنتدى من تشخيص التحديات إلى توجيه الحلول، ومن الحوار العام إلى التركيز على الشراكات الاستثمارية، وتكامل سلاسل القيمة، وربط التعدين بالصناعة والتقنية والاقتصاد الأوسع.
ويُجسّد إطلاق مؤشر FMF Barometer 2025 خلال المنتدى هذا التوجه العملي، بوصفه أداة عالمية لقياس جاهزية وتقدم سلاسل القيمة للمعادن الحيوية عبر مناطق متعددة. هذا المؤشر لا يقدّم بيانات فحسب، بل يوفر رؤى استراتيجية تدعم صناع القرار والمستثمرين في قراءة المشهد العالمي واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة، بما يعكس سعي المملكة إلى قيادة الحوار الدولي بالأدوات والمعايير، لا بالشعارات.
الدور الذي تلعبه المملكة في هذا الملف لا ينفصل عن الرؤية الأوسع لتنويع الاقتصاد الوطني. فبدعم وتوجيه من خادم الحرمين الشريفين، وقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز "حفظهم الله" جرى التعامل مع قطاع التعدين بوصفه ركيزة استراتيجية، لا نشاطًا اقتصاديًا هامشيًا. هذا التوجه انعكس في تطوير الأطر التنظيمية، وتسهيل الإجراءات، وجذب الاستثمارات المحلية والدولية، وبناء بيئة تشريعية مستقرة عززت ثقة المستثمرين ورسّخت مكانة المملكة كمركز جاذب لقطاع التعدين إقليميًا وعالميًا.
وتؤكد وزارة الصناعة والثروة المعدنية في مواقفها الرسمية أن التعدين يمثل أحد محركات النمو الواعدة، وأن تطويره يستهدف بناء قطاع متكامل يمتد من الاستكشاف إلى المعالجة والتصنيع، مع التركيز على الاستدامة، ونقل المعرفة، وتعزيز المحتوى المحلي. هذا النهج يعكس قناعة راسخة بأن الاستثمار في التعدين هو استثمار طويل الأمد في المستقبل الصناعي، وفي أمن سلاسل الإمداد، وفي قدرة المملكة على المنافسة في الاقتصاد العالمي القادم.
استضافة المملكة لمنتدى مستقبل المعادن بهذا الزخم تؤكد أيضًا دورها المتنامي كحلقة وصل بين الدول الغنية بالموارد والأسواق الصناعية والاستثمارية. فهي لا تقدم نفسها كمصدر خام، بل كشريك استراتيجي يسعى إلى بناء سلاسل إمداد مرنة ومستدامة، تخدم مصالح الجميع، وتدعم استقرار الاقتصاد العالمي في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر وتعقّد التحديات.
إن الاستثمار في التعدين اليوم لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية للدول التي تسعى إلى تأمين مستقبلها الصناعي والتقني. والمملكة، باختيارها هذا المسار، تؤكد مرة أخرى أنها لا تنتظر التحولات حتى تكتمل، بل تسهم في تشكيلها، وتبني لها منصات حوار واستثمار قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
هكذا يكتب منتدى مستقبل المعادن فصلًا جديدًا في قصة التحول الاقتصادي السعودي: من الأرض إلى الصناعة، ومن المورد إلى القيمة، ومن الحوار إلى الشراكة. وفي ظل قيادة ترى أبعد من اللحظة، وتقرأ التحولات بعين المستقبل، يصبح التعدين ليس مجرد قطاع واعد، بل ركيزة أساسية في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا، واستدامة، وتأثيرًا على مستوى العالم.
إقرأ المزيد


