الحكمة وسط أحزمة النّار الملتهبة في الإقليم!
إيلاف -

لا أزال أرى أن دول الخليج العربي هي النموذج الأكثر تماسكاً وقدرة على التنمية والتغيير التدريجي الهادئ وعملية الإصلاح الإداري والاجتماعي والثقافي في الوطن العربي، وسط محيط إقليمي مضطرب. هناك تظاهرات غاضبة في إيران بسبب تردي الأوضاع المعيشية، وهناك خلافات سياسية حادة حول تشكيل الحكومة في العراق، وسط تباينات بين التيارات السياسية حول شخص رئيس الوزراء القادم، والاستحقاقات التي يواجهها وفي مقدمتها بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية والحد من الفساد والزبائنية السياسية، خصوصاً أن المواطن العراقي يجد نفسه في بلد غني نفطياً، ويملك مقومات اقتصادية عدة، وتاريخاً ثقافياً يعتدُ به، إلا أنه يعاني تراجعاً كبيراً في أداء مؤسسات الدولة. هناك اليمن أيضاً، والذي يجري العمل بجدٍ من أجل إيجاد توافق سياسي بين قياداته المتنوعة، لدفع المسار السلمي الذي يضع حداً للعنف، ويساهم في حل المشكلات، والوصول إلى تفاهمات واتفاقات عملانية مقبولة ومستدامة. غزة والضفة الغربية، كلتاهما تعانيان يومياً جراء استمرار إسرائيل في احتلالها وقتلها للمدنيين وحصارها الذي تريد عبره دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، واختيار وطنٍ بديل، لأن تل أبيب تعتقد أن الدولة الفلسطينية تشكل خطراً عليها وأن من مصلحتها الاستراتيجية أن تبقي المأساة الفلسطينية على حالها! سوريا هي الأخرى، برغم الدعم الخليجي الواسع والمظلة العربية والإقليمية، تبقى التحديات التي تواجهها جدية، سواء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة واستمرار الاحتلال، أم الخلافات بين المكونات السورية ذاتها، وآخرها المواجهات التي جرت بين القوات الحكومية وقوات "قسد"! لبنان هو الآخر ليس بأفضل حالٍ. فإسرائيل مستمرة في احتلالها وانتهاكها للسيادة، وعملياتها توقع ضحايا مدنيين، وتهدد بحرب وشيكة قد تقع في أي لحظة، فيما الحكومة اللبنانية تجد ذاتها أقل فاعلية وقدرة على حصر السلاح بيدها وحدها، وسط انقسام عمودي بين الطوائف والأحزاب التي تتخندق في خطوط تماسٍ لا تبرحها! السودان، ليبيا، الصومال... جميعها ليست بأفضل حال، فهنالك حروب وانقسام وهدرٌ لثرواتٍ ضخمة، وتهجير وانتهاكات إنسانية جسيمة. لا ننسى أيضاً التنظيمات الإرهابية التي تنشط في الشرق الأوسط وأفريقيا والميليشيات المسلحة والخطابات الأصولية التي تروج لها دائماً، وهي تحديات جدية يجب عدم الغفلة عنها. ما سبق يشير بوضوح إلى أن دول "مجلس التعاون الخليجي" محاطة بأحزمة نارٍ ملتهبة في الإقليم، وأن من الحكمة أن يتم أخذ هذه الأخطار في الاعتبار من قبلِ الناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، الذين عليهم أن ينتبهوا لضرر الخطابات التحريضية التي تثير الضغائن والأحقاد، وتعمق الخلافات، وتمزق المجتمعات الخليجية، في وقت يحتاج الخليج العربي لمقاربات على قدر كبير من الوعي والهدوء والبصيرة التي تعالج الخلافات وفق قنواتها الرسمية والقانونية التي يجب احترامها والالتزام بها، وبطرائق عملانية تؤدي إلى نتائج تكون في مصلحة أمن دول الخليج العربي وشعوبها واستقرارها وتنميتها.



إقرأ المزيد