بي بي سي - 1/15/2026 10:06:22 PM - GMT (+3 )
صدر الصورة، Zahra Hankir
- Author, كارني شارب ولارا أوين
- Role, بي بي سي غلوبال وومن
"عندما أضع الكحل في شقتي في بروكلين، على بعدٍ كبير من الوطن، أشعر وكأنني أتواصل مع والدتي وجدتي، ومع نساءٍ في مختلف أنحاء الشرق الأوسط"، تقول الصحفية زهرة حنقير لبرنامج BBC Global Women.
في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أقرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بأهمية الكحل العربي، عبر إدراجه على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
لكن الكحل، وهو صباغ داكن يستخدم تقليدياً حول العينين لدى النساء والرجال على حد سواء، تعود جذوره إلى آلاف السنين، ويمتد تاريخه إلى حضارات قديمة.
صدر الصورة، Getty Images
يعرف هذا المستحضر باسم الكحل في العالم العربي، لكنه أسماء مختلفة في مناطق أخرى من العالم، إذ يسمى كاجال في جنوب آسيا، وتيرو في نيجيريا، وسورمه في إيران. وكان يحضّر تقليدياً من الأنتيمون أو الرصاص أو معادن أخرى، فيما تضم منتجات الكحل الحديثة مكونات إضافية.
ويحتل هذا المستحضر التجميلي مكانة خاصة لدى الكاتبة البريطانية اللبنانية زهرة حنقير، التي انتقلت عائلتها إلى إنجلترا هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.
وتوضح قائلة: "كنت أراقب والدتي وهي تضع مساحيق التجميل عندما كنا نعيش بعيداً، وكنت أشعر بأنها تتواصل مع شيء عميق جداً".
وتضيف أن الإحساس نفسه يرافقها اليوم كلما وضعت الحكل، أو ما يعرف اليوم بـ"آيلاينر".
المعنى مطابق للنص الأصلي، والنبرة صحفية رصينة وغير مترجمة حرفياً، والمصطلحات دقيقة ومتداولة.
صدر الصورة، Getty Images
تقول زهرة حنقير، مؤلفة كتاب "الكحل: تاريخ ثقافي"، إن اعتراف اليونسكو بالكحل يعيد تأطيره "لا بوصفه صيحة عابرة أو مجرد منتج تجميلي، بل ممارسة ثقافية حيّة تستحق الحماية".
وتوضح أن هذا النوع من التصنيف "يسهم في حماية المعارف والطقوس والحرف المرتبطة بصناعة الكحل واستخدامه، بما يضمن توثيقها ونقلها وتقديرها عبر الأجيال، بدلاً من تفريغها من معناها أو تذوب في ثقافة الجمال التجارية المعولمة".
وتشير حنقير إلى أن إخراج علبة من هذا المستحضر التجميلي على مائدة العشاء، خلال لقاء مع صديقة إيرانية لها، كان الشرارة التي أطلقت نقاشاً حول تاريخه ورمزيته، وهو ما ألهمها التعمّق في تاريخه وفي استخدام الكحل على نطاق أوسع.
وتضيف: "كان ذلك إدراكاً بأن الكحل يعني شيئاً عميقاً للغاية للنساء، ولنساء الأقليات، وللنساء اللواتي يعشن في الاغتراب".
"أبعد من الجمال"
صدر الصورة، Getty Images
يمكن تتبّع جذور الكحل إلى حضارات قديمة في مصر وبلاد ما بين النهرين وفارس. وفي مصر القديمة، وبحسب ما توضحه زهرة حنقير، كان الكحل يستخدم من قبل الجميع، بغضّ النظر عن الجنس أو الطبقة الاجتماعية.
وتقول: "كانوا يضعونه لأغراض تتجاوز الجمال بكثير"، موضحة أنه لم يكن مستحضراً تجميلياً فحسب، بل وسيلة للتعبير عن بعد روحي، ولحماية العينين من الأمراض.
وتضيف: "كان المصريون القدماء يدفنون أوعية الكحل مع موتاهم ليأخذوها معهم إلى الحياة الآخرة، ما يدل على مدى أهميته".
وتشير حنقير إلى أن الملكة المصرية نفرتيتي كانت، على الأرجح، أول "مؤثرة" في ما يتعلّق باستخدام الكحل.
فالتمثال النصفي الشهير لنفرتيتي، الذي عثرت عليه بعثة أثرية ألمانية بقيادة لودفيغ بورخارت في مصر عام 1912، يظهر بوضوح استخدام كحل العيون.
وتكتب حنقير في كتابها: "حاجباها مقوسان، ومشكلان بإتقان، ومملوءان بصباغ أسود دخاني، ربما يكون كحلاً. التباين اللوني حاد، ومع ذلك يبدو مظهر الملكة العام متناسقاً تماماً".
وتقول إن نساء في ألمانيا سعين إلى تقليد مظهرها الذي وصف حينها بـ"الغريب"، من خلال وضع الكحل وربطه بالجمال والسلطة والتمكين.
ولا يزال مكياج نفرتيتي رائجاً حتى اليوم.
وتكتب حنقير: "هناك مئات الدروس على يوتيوب وتيك توك وإنستغرام تحاكي ملامح وجه الملكة بدرجة عالية من الدقة".
أبعد من الكحل العربي
صدر الصورة، Getty Images
جالت حنقير خلال بحثها عن محدد العيون على مناطق مختلفة من العالم. فمن كيرالا إلى تشاد، ومن المكسيك إلى الأردن واليابان، تكشف رحلاتها أنه، رغم الانتشار الواسع لمحدد العيون وتنوّع طرق استخدامه ومعانيه، فإن دوره كوسيلة للحماية يظل قاسماً مشتركاً بين هذه الثقافات.
وتشير إلى أن استخداماته تراوحت بين الحماية من الشمس و"العين الشريرة"، وصولاً إلى الطقوس الدينية والأغراض العلاجية.
وفي اليابان، تحدثت حنكير إلى الغيشا، وهن فنانات يابانيات تقليديات يتقنّ الموسيقى والرقص وفن المحادثة، ويضعن محدد العيون الأحمر، الذي لا يزال يُنظر إليه بوصفه رمزاً للحماية حتى اليوم.
وفي سياق مختلف، تقول حنكير إن محدد العيون يشكّل، في ثقافة التشولا لدى المكسيكيين الأميركيين، رمزاً قوياً للهوية والمقاومة والفخر الثقافي.
ومثلما كان الحال في مصر القديمة، لاحظت حنكير أن استخدام الكحل في بعض أنحاء العالم لا يقتصر على النساء. ففي تشاد، أمضت وقتاً مع قبيلة الوَدابي، وهي جماعة فولانية بدوية معروفة بمسابقة جمال سنوية تُقيّم فيها النساء مظهر الرجال.
وتقول ضاحكة: "يرتدي الرجال البدو في البتراء، في الأردن، الكحل ليس فقط للحماية من الشمس أو للتعبير عن تدينهم، بل لأنهم يعرفون أيضاً أنه يجعلهم يبدون أكثر وسامة".
وتضيف: "وهو كذلك طقس عبور إلى الرجولة، وعلامة على العزوبية".
صدر الصورة، Getty Image
غالباً ما يوضع الكحل أيضاً على عيون الأطفال، في ممارسة يعتقد بعضهم أنها توفّر الحماية.
وتقول حنكير إن اعتراف اليونسكو بالكحل "طال انتظاره"، وإنه يمنح "التقدير للمجتمعات في الجنوب العالمي، ولا سيما في أنحاء العالم العربي، التي حافظت على هذا التقليد واستدامته على مدى قرون، وغالباً في مواجهة التهجير والاستعمار ومحو الثقافة".
لكن، بالنسبة إلى الكاتبة، فإن ما يضفي هذه الأهمية على فعل وضع كحل العيون هو ارتباطه بثقافتها الشخصية.
وتقول: "إنه فعل يكاد يكون روحانياً، ورسمه على العين أشبه بطقس. فأنتِ تتواصلين مع ما هو أعمق بكثير من مجرد رسم خط على خط الدمع أو على الجفن العلوي".
إقرأ المزيد


