إيلاف - 1/30/2026 8:00:10 AM - GMT (+3 )
حين نستدعي الماضي، فإننا لا نستدعيه كما كان، بل كما نحتاجه أن يكون، فلا نجده حينها إلا حديقةً نظيفة من الأشواك، أو بيتًا بلا تشققات، وجوهًا بلا قسوة، وأيامًا بلا ندم، فنحن نعيد تركيبه في الذاكرة كما يعيد شاعر ترتيب القصيدة حيث نحذف منه ما يوجع، ونُهذّب منه ما يفضح، ونترك فيه فقط ما يصلح أن يكون حنينًا!
لهذا يبدو الماضي دائمًا أجمل، لا لأنه كان كذلك، بل لأنه انتهى، انتهى بحيث لم يعد يملك حق الدفاع عن نفسه، ولم نعد نملك فرصة اختباره من جديد، فقد صار مادة للذاكرة، والذاكرة بطبيعتها ليست أمينة على التاريخ بقدر ماهي وفية للمشاعر، إنها لا تحفظ الوقائع، بل تحفظ الأثر.. وحين نفشل في العثور على هذا الماضي المثالي داخل حاضرنا، نغضب من الحاضر، ونتهمه بالخيانة، ونعلن الزهد في زماننا كأننا نعاقبه لأنه لم يشبه صورة اخترعناها، فننسى حينها أن كل جيل فعل الأمر ذاته، حيث مجّد ما مضى، وهاجم ما حضر، وانتظر مستقبلاً سيتهمه أبناؤه يومًا بالخيانة أيضًا!.
غير أن المشكلة لا تكمن في الحنين نفسه، بل في نوع الحنين، حين يتحول الماضي إلى قيمة بذاته، لا بما كان يحمله من قيم، فنصبح أسرى صورة لا مضمون لها، نحب الزمن لأنه زمن فقط، لا لأنه كان أكثر عدلاً أو أكثر إنسانية، نقدّس الطقوس لأنها قديمة، لا لأنها صالحة، نغفر الأخطاء لأنها وقعت في الأمس، بينما نُدين الأخطاء ذاتها حين تقع اليوم.
وحين نقف بصدق أمام الذاكرة، تتكشّف لنا حقيقة أكثر إرباكًا الماضي لم يكن فردوسًا، كان مكانًا مزدحمًا بالجهل مثلما كان مزدحمًا بالحكمة، وبالقسوة مثلما كان عامرًا بالطيبة، وبالتمييز مثلما كان غنيًا بالتكافل.
تذكرت ذلك وأنا أتأمل صورًا قديمة مرّت عليّ ذات مساء، رجال عاشوا معنا طفولتنا، كبرنا معهم، لكن أسماءهم تلاشت من الذاكرة، بينما بقيت ألقابهم، وفي جلّها ألقاب صنعتها السخرية، أو العنصرية، أو القسوة الاجتماعية، ألقاب كانت تكفي أحيانًا لتختصر الإنسان كله في جرح لغوي صغير.. كم من عائلة عُرفت بلقبها الجارح أكثر مما عُرفت باسمها الحقيقي، كم من طفل كبر وهو يحمل وصمة لم يخترها، فقط لأن المجتمع يومها لم يكن يرى في الكرامة قيمة عليا كما نزعم اليوم.. كل ذلك كان في الماضي.. فهو في آخر الأمر لا يختزل فقط صور البراءة والألعاب القديمة، بل كذلك صور الإقصاء والتهكم والظلم الصامت، الماضي، في حقيقته، ذاكرة مثقلة بكل شيء: بالبدايات الخشنة، بالفقر، بالجهل، بالخوف، وبالعيوب التي اعتُبرت يومًا طبيعية، لكن ذاكرتنا لا تستدعي هذا كله، إنها تمارس نوعًا من الانتقاء الرحيم، أو الكاذب: تستخرج من الزمن ما يلمّع صورتها هي، لا صورة الحقيقة، لهذا لا يكون التاريخ صادقًا دائمًا حين يُروى بعد حين؛ لأن الذي يرويه ليس الوقائع، بل الرغبات، وكما قيل قديمًا إن المنتصرين يكتبون التاريخ، يمكننا أن نقول اليوم إن الحنين يكتبه أيضًا، وربما هنا تكمن شجاعة اللحظة شجاعةٌ تنظر إلى الحاضر لا بوصفه خيانة للماضي، بل بوصفه تصحيحًا له، كأن نسأل أنفسنا بصدق: كم من سلوكيات قديمة تجاوزناها اليوم؟ كم من قسوة اجتماعية خفّفناها؟ كم من وعي أخلاقي نما فينا دون أن ننتبه؟ كم من إنسان كان سيُسحق في الأمس، لكنه يجد اليوم مساحة للنجاة؟
حين نفعل ذلك، لا نقتل الحنين، بل نطهّره، نحوّله من بكاء على زمن مضى، إلى وعي بزمن يتشكل، نصالح الذاكرة دون أن نقدّسها، وننصف الحاضر دون أن نُعمِيه، فالإنسان لا يُقاس بقدر ما يشتاق، بل بقدر ما يتعلم من اشتياقه.
إقرأ المزيد


