قفشات نجيب محفوظ!
إيلاف -

محمد ناصر العطوان

لو كان أي أحد غير نجيب محفوظ، حصل على نوبل في دولنا العربية لوجدته تمثالاً من شمع في كلامه وحركاته وتصريحاته، أما نجيب، فشيء آخر... «ابن بلد» يجلس معك على المقهى، ويسخر من الدنيا وما فيها بذكاء يقطع «الخلف» ويشفي الغليل.

في عام 1988، دخلت عليه زوجته الغرفة وهو نائم، دون أن تتأكد من أنه مستيقظ وقالت بفرحة غامرة:

«نجيب... أنت فزت بجائزة نوبل»

فرد عليها نجيب غير عابئ:

«أنا مش قلت لك بطلي أحلام»!

تعال معي عزيزي القارئ في هذا المقال لنتعرف على وجه مختلف لنجيب محفوظ، وصورة ذهنية لا تحمل في جنباتها الموظف الصارم، المنضبط الذي يضبط ساعته بالثانية، صورة ذهنية مختلفة عن الروائيين «اللي عايشين الدور» أو الفيلسوف الذي يحمل هموم الكون فوق كتفيه، والرجل الذي لا يضحك للرغيف الساخن.

في الحقيقة عزيزي القارئ، فإن تحت البدلة «الميري» الذي كان يرتديها نجيب محفوظ، وهذا الوجه الرصين، كان يختبئ «ساخر» عبقري، وضاحك من الطراز الرفيع، يمتلك سرعة بديهة تجعله يخرج من أعتى الكوارث «بإفيه» يدرس في كليات الحكمة الشعبية... نجيب محفوظ، لم يكن يواجه المصائب باللطم والعويل مثلنا، بل كان يواجهها «بالقفشة» التي تحول الرعب إلى نكتة، والسلطة إلى مسخرة.

خذ عندك مثلاً يوم 12 أكتوبر 1992... مصر كلها تصرخ «زلزال!»، والبيوت تهتز، والناس تجري في الشوارع بملابس النوم... أين كان عمنا نجيب؟ كان يجلس في صالة شقته بالعجوزة، في كامل هدوئه.

ولأن القدر يحب الدراما، كانت تسكن فوقه مباشرة الفنانة برلنتي عبد الحميد، أيقونة الإغراء وزوجة المشير عامر، يعني «سلطة وجمال» في باكيج واحد.

لما سأله صديقه الكاتب جمال الغيطاني: «ما خفتش يا أستاذ؟»، رد محفوظ رداً يدرس في علم النفس العكسي «كنت قاعد مستني السقف يقع... وتقع معاه برلنتي عبد الحميد قربي!»

تخيل يا أخي! الناس خائفة من الموت، وهو يحول الكارثة إلى مشهد ساخر. يحيد الرعب بالنكتة، ويقرر أن لو كان للموت بد، فليكن موتاً لذيذاً بسقوط برلنتي، عليه...

ولأنه عاش في فترة كانت البلد فيها «مباحثي» بطبعه، كان لسان نجيب محفوظ هو طوق نجاته... فعندما كتب رواية «ثرثرة فوق النيل» في الستينيات، الدنيا قامت ولم تقعد.

الرواية كانت «تعرية» للنخبة والمساطيل الذين ضيعوا البلد، ويُقال إن المشير عامر، غضب جداً... جاء مسؤول كبير يسأل محفوظ بلهجة تحقيق: «إنت تقصد إيه بالكلام ده؟ وهل تنتقد النظام؟».

لو كان محفوظ «عنترياً» لقال خطبة عصماء ودخل السجن، لكنه تقمص دور «ابن البلد» المراوغ وقال له ببراءة الأطفال «أبداً يا فندم... ده كلام حشاشين! مش أبطال الرواية بيحششوا في العوامة؟ يبقى كلامهم لا يؤخذ به».

ضربة معلم! احتمى بقواعد الرواية، ونزع القداسة عن نصه لينقذ رقبته، ووضع المسؤول في ورطة... فلو اعترض، سيكون كأنه يعترف بأن الدولة تُدار فعلاً بكلام حشاشين!

ولأن محفوظ كان يكره «الفشخرة» الكذابة، كان له موقف مع المؤسسة الثقافية نفسها، فيوم سمع أن راقصة شهيرة ستعتزل وتكتب مذكراتها (الموضة التي لا تنتهي)، التفت لجمال الغيطاني، الذي كان يرأس سلسلة «الذخائر» التراثية الرصينة وقال له بجدية تامة: «إبقى طلعها في الذخائر».

جملة من أربع كلمات لخصت حال الثقافة في مصر وقتها... مساواة ساخرة بين «الأغاني» للأصفهاني و«هز الوسط»، في نقد لاذع لسيولة المعايير التي جعلت أخبار الراقصات أهم من أمهات الكتب.

حتى في وظيفته، كان نجيب محفوظ «ثورياً» على طريقته... عدوه اللدود لم يكن الإخوان ولا السلطة فقط، بل «الكرافتة»، وكان يخترع أي حجة لخلعها... مرة «عندي حساسية»، ومرة يلبس «هايكول»... ولما أهداه تلميذه محمد سلماوي كرافتة، قال له: «المناسبة إني مش عارف أعمل بيها إيه! أنا نسيت هي بتتربط إزاي أصلاً»!

وعندما سُئل عن «القبلة» في الأفلام بحكم عمله كرقيب، لم يلبس عمامة الشيخ، بل قال جملة توزن بالذهب عن حالنا جميعاً «لما بشوف اتنين بيبوسوا بعض... بداري وشي وأقول: أوعدنا يا رب!»

يا سلام على التصالح مع النفس!

لكن النكتة الأكثر وجعاً وعبقرية، كانت في أواخر أيامه...

بعد محاولة الاغتيال، ويده عاجزة، وسمعه ضعيف. زاره المفكر الفرنسي روجيه غارودي، وسأله السؤال الكلاسيكي «ماذا تكتب الآن يا أستاذ؟»

رد محفوظ، الذي كان يقوم بتمارين علاج طبيعي ليمسك القلم «أكتب اسمي!»

إجابة تضحكك وتبكيك في آن واحد... هو فعلاً يتدرب على كتابة توقيعه، لكنه في الحقيقة كان يكتب اسمه في سجل الخلود، بصفته الرجل الذي هزم الإرهاب، وهزم الشيخوخة، وهزم «عيشان دور» وغرور المثقفين، بسلاح واحد فتاك وهو الضحك.

الخلاصة يا سادة، أن نجيب محفوظ لم يكن مجرد أديب «نوبل». كان فيلسوفاً أدرك مبكراً أننا نعيش في مسرح عبثي، وأن الطريقة الوحيدة لكي لا تفقد عقلك في هذا البلد، هي أن تتعلم كيف تطلق «نكتة» في وجه الزلزال، وتنتظر أن تسقط عليك «الست برلنتي» من السقف... بدلاً من أن تسقط عليك الطوبة!

ورحم الله الضاحك الباكي الحقيقي... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

قصة قصيرة:

المذيع: حضرتك وانت داخل على التسعين عاماً قلت «عشنا وشفنا العجب»، فماذا تقول وأنت داخل على الثلاثة والتسعين عاماً؟ نجيب وهو يشير إلى عيونه ونظره الضعيف: مش قادر أشوف العجب!

المذيع: حضرتك شفت مصر من ثورة 19 لغاية النهارة، شايفها ازاي دلوقتي بعد 19 و 48 و52 و 67 و73 و 77 شايفها ازاي؟

نجيب: هي بتعاني وربنا معاها

المذيع: ازاي تخرج من المعاناة ده؟

نجيب: انت فكرك أنا عارف تخرج ازاي ومقلتش!



إقرأ المزيد