موضعٌ وموضوع... لو أباحت بما لديها الطُلولُ!؟
إيلاف -

مباركٌ حلول أول أيام الشهر الفضيل، شهر رمضان الخير، على الجميع، وقد عادني الحنينُ وأنا أستذكرُ «الرمضانات» القديمة، منذ عهد الصِبا في مسقط رأسي ببريدة حتى عهد الفتوّة في حي الصالحية القديم بالرياض ثم حي السويدي، وهكذا على مرّ الأيام وكرّ الليالي.

غير أنَّ حديثي لكم اليوم، وطيلة أيام وليالي الشهر المُبارك، لن يكون عن ذاكرة الزمان بل ذاكرة المكان، تحت عنوانٍ جامعٍ اخترتهُ لهذه السلسلة هو «موضعٌ ومواضع».

للمكان ذاكرة، ولأديم الأرض لغة، لو أفصحت عن نفسها لأبانت عما جرى على ظهرها وما دُفن في بطنها... ولكانت الرواية غير الرواية والأخبار غير الأخبار، أو بتواضعٍ أكثر: أكمل من كل الأخبار.

كل وادٍ... كل جبل... كل سهل... كل رمل... كل نهرٍ أو بحرٍ أو عِمارة صلبة لم تتهاوَ تحت مطارق الزمان، كل هذه شاهدة على من قاتل لها أو قُتل عليها، شاهدة على اللحظات الأخيرة، والأمنيات أو الحسرات الختامية...

شاهدة على مواعيد الغرام وبوح العُشاق، ومواثيق الصداقة، وبُرهات المكاشفة بين الإخلاء، وكيف استودعوا الرملَ والسهلَ والشجرَ والطيرَ، أعمقَ أسرارهم وهواجسهم وأحلامهم.

قال الأديب والصحافي والمؤرخ والمعجمي البلداني السعودي الكبير، الشيخ عبد الله بن خميس وهو الذي استنطق جبال ووديان ورمال قلب الجزيرة العربية في «اليمامة» قال في صورة باذخة:

لو أباحتْ بِما لديها الطُلولُ

أيُّ شيءٍ تُبِينُه لو تقولُ؟

وهو الذي قال في تبيان العلاقة بين المكان والإنسان في الجزيرة العربية:

«عُرِفَتْ كل قبيلةٍ بجبلها أو جبالها، حفلت أشعارهم بذكرها، والتغنّي بها، وأضيفت أيامهم ووقائعهم إليها، فتغنّت طيء بجبليها أجا وسلمى، وعبس بجبلها قطن، وجهينة برضوى، وتميم باليمامة والعرمة، وهذيل بكبكب، وسليم بشرورى».

الحالُ أنَّ التأليف عن الأمكنة والتعريف بها، حجراً وشجراً وبشراً، نمطٌ قديم وإرثٌ أثيلٌ، تعاور عليه علماء العرب والمسلمين منذ القِدم، ولدينا مُدونات كبرى في هذا الصدد، منها مثالاً: «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» المعروف بمعجم البكري، لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري المتوفّى سنة 487 هـجرية.

وكتاب «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا بن محمد القزويني المتوفّى سنة 682 هـجرية.

هذا قبل ولادة علوم الجغرافيا الحديثة والخرائط العلمية العصرية الدقيقة، ولا ننسى، ما دام الحديث عن جزيرة العرب، المشروع الجغرافي البلداني العظيم الذي قاده علَّامة الجزيرة العربية حمد الجاسر عن هذه الجزيرة، مع نخبة من العلماء العصاميين أمثال العبودي وابن جنيدل والبلادي والعقيلي وغيرهم.

وحين نتحدّثُ عن معاجم البلدان، فإنَّ شيخها ودرّة تاجها في القديم والحديث، هو كتاب «معجم البلدان» للعبقري ياقوت الحموي، وعنه سيكون حديثنا المُقبل.



إقرأ المزيد