"على خطاه".. استحضار المعنى واقتفاء الأثر
إيلاف -

يأتي مشروع "على خطاه" ليعطي مثالاً حياً على الكيفية التي يمكن عبرها الاستفادة من الأصول الروحية والثقافية والتاريخية في المملكة العربية السعودية، وهي "رأسمال رمزي" يمكن تفعيله ليكون جزءا من تجربة ممتدة، لا تبقى حبيسة التراث المدون في الكتب.

أهمية هذا المشروع أنه ينقل "سردية الهجرة النبوية" من حيز المدونات النصية إلى فضاء "المعايشة المكانية" الحية. المشروع، الذي يوثق المسار النبوي بطول 470 كيلومتراً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، يتجاوز المفهوم التقليدي للسياحة الدينية التي تكتفي بالزيارة للأماكن المقدسة وحسب، ليستحيل "متحفاً مفتوحاً" يدمج 41 معلماً أثرياً و52 نقطة توقف يربط بينها خيط واحد، وينتقل فيها الفرد من تجربة لأخرى تتكامل عبر المسير والتأمل والتفكر والسؤال: كيف بدأت البعثة والهجرة وأتم الرسول الأكرم مهمته الربانية؟!

من جهة أخرى، تبرز في مشروع "على خطاه" سمةٌ ميزت المشاريع المتكاملة حديثاً في السعودية، وهي التعاون والتكامل بين القطاعات المختلفة؛ إذ لعبت "الهيئة العامة للترفيه" برئاسة المستشار تركي آل الشيخ، دور "المطور المفاهيمي" الذي "هندس التاريخ" وصيره منتجاً ثقافياً، عبر تقديم السيرة النبوية كقصة يمكن للراغبين في تلمس ملامحها أن يأتوا إلى المملكة ويعيشوا التجربة، ويستشعروا كيف تمكن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم من أن يبني دولة الإسلام الأولى!

في المقابل، اضطلعت "إمارة منطقة المدينة المنورة" بقيادة الأمير سلمان بن سلطان، بدور "الممكن الاستراتيجي" والضامن لاندماج المشروع في البنية التحتية للمنطقة. وتجسد هذا الدور بوضوح في التوجيه بدراسة رفع الطاقة الاستيعابية من 5 ملايين إلى 10 ملايين زائر. وهو قرار يعكس قراءة استشرافية لحجم الإقبال المتوقع، ويحول المشروع من مبادرة نوعية محدودة إلى محرك داعم للاقتصاد المحلي للمدن المقدسة.

في سياق متصل، يمكن أيضاً قراءة المشروع بوصفه أحد أشكال "الدبلوماسية الثقافية" حيث يقدم المملكة ليس بوصفها خادمة للحرمين الشريفين وحسب، وإنما يتعدى دورها ذلك لتكون المؤتمنة على التراث والذاكرة، والمنتجة للمعرفة وللسيرة النبوية الشريفة، بشكل حديث يناسب المؤمن المعاصر.

اجتماعياً واقتصادياً، يعمل المشروع على دعم الأماكن المنزوية التي يمر بها، ويدفع عجلة اقتصادها المحلي. فالقرى والهجر التي ستكون محل عبور واستراحة الزائرين، سوف تتحول بفضل الـ25 ألف وظيفة الأولية (والمستهدف الوصول لـ200 ألف) إلى أماكن تزدهر فيها المشاريع الصغيرة لرواد الأعمال والأسر المنتجة وأصحاب أماكن المبيت والمزارع والضيافة المحلية. هذا "التوطين المكاني" للاقتصاد يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويحد من الهجرة نحو المدن المركزية.

شخصياً، أتوق لأن أكون أحد من يسير ضمن قافلة "على خطاه" لأنها ستكون تجربة ثرية، روحياً وثقافياً وتراثياً، وستضيف لي الكثير بصرياً وتعرفني على جغرافيا أجلها، وتعلمني أيضاً الصبر والجلد على المضي قدماً وسط المفازات وبين المنعرجات، لندرك جميعاً أن ما تحقق من إنجاز عظيم كان ثمرة جهد كبير يفوق ما نتخيله.

هذا المقال يحتوي على 402 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد