السعودية تقلب المعادلة
إيلاف -

خبر ينعش القلب قرار السعودية، ترسيخ مكانة العربية لغةً رسميةً وإلزام جميع الجهات الحكومية والخاصة باستخدامها في (تعاملاتها كافة). «السياسة الوطنية للغة العربية» التي أُعلن عنها ستكون مرجعاً لتنظيم حضور العربية في التعليم، الإعلام، قطاع الأعمال، والمشهد العام. أي خبر سعيد هذا! سينعكس كأحجار الدومينو على المنطقة بأسرها، بعد أن بلغت العربية دركاً سحيقاً.

في لبنان كُثُر يتباهون بأنهم يتكلمون لغة هجينة، وهذا عجيب. دول أخرى يحتاج فيها العربي إلى مترجم كي يسلّك معاملاته. أسماء أفلام بالإنجليزية؛ بحجة تسهيل انتشارها العالمي، برامج تلفزيونية تخلط اللغات عمداً كي تجاري الموجة، مطاعم تأنف أن يكون لاسمها رنين عربي؛ مخافة خسارة الرواد. الانسحاق الدوني أقنع عائلات بالتحدث مع أطفالهم بإنجليزية مكسّرة فقط لمجاراة العقد المستشرية. جيل بأكمله لا يكتب بالعربية، بكل فخر، ولا يقرأ فيها، بل لا يريد. بيانات صحافية، رسائل إلكترونية، فواتير، كتيبات معارض تشكيلية وحفلات، دراسات علمية، مؤتمرات بأمها وأبيها، كلها بالإنجليزية. شاهدت بأم العين عرباً يفضّلون الحضور العقيم كالطرشان، على استخدام سمّاعات الترجمة؛ فقط كي لا يبدون أقل من الآخرين. أطباء فقدوا قدرتهم على إيصال المعلومات لمرضاهم؛ لأنهم يجهلون المصطلحات بالعربية أصلاً، مع أنه يتبين أن التعاطي باللغة الأم يقلل الأخطاء الطبية إلى الثلث. لكنها حالة عامة مستشرية تنذر بانهيار ثقافي. الوضع مأساوي لمن يتأمل ويتفكّر، أن يصبح التحدث بعربية متشظية مع تأتأة وتعثر، وتفرنج في النطق من دلالات الرقي الاجتماعي والرفعة العلمية.

أن تقود السعودية سفينة النجاة بما لها من قوة اقتصادية، وديموغرافيا بشرية، ومكانة دينية، ليس كدولة صغيرة مهيضة. سيجد محبو الربح أنفسهم أمام تحدي تعريب أنفسهم، وإعادة سليقتهم إلى نِصابها، ليكونوا جزءاً من سوق مغرية، حتى ولو مرغمين. شركات عالمية مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» ومثيلاتها، مكاتبها بالمئات في المنطقة، ستضطر لدوافع تجارية إلى تطوير المزيد من الأدوات التي تدعم العربية؛ ما يشكل إفادة كبرى لسكان 22 دولة عربية. وهي كذلك مرغمة على إعطاء الأولوية لموظفين يعرفون لغة البلاد؛ ما يفتح نافذة وظائف بالجملة لسعوديين وعرب كانوا مستبعدين، لأن لا حاجة لهم ولا لكفاءاتهم، بما أن مَن ينوبون عنهم كثر. مجرد البدء بخطوات قليلة سيجرّ كماً هائلاً من الفوائد غير المنظورة.

نتعامل مع اللغة كالملح والبهار في حين هي الطبق الرئيسي على موائد الأمم. صرفت فرنسا المليارات لنشر لغتها وتجميل صورة فرانكوفونيتها، وروَّجت أميركا للإنجليزية بافتتاح مئات الجامعات حول العالم، ولم تترك وسيلة إلا واستخدمتها لتجعل الحلم الأميركي قرينها، لا، بل باتت هي الحلم نفسه. الصين عزَّزت طريق الحرير بافتتاح ما يقارب 500 «مركز كونفوشيوس» لتعليم الماندرين في 160 دولة. أما العربية فبقيت يتيمة ومن يريدون تعلمها، لا يجدون بوصلتهم. كل منهم يتوجه إلى دولة عربية سمع أن فيها مَن يمكن أن يقدّم الفائدة المرتجاة، في ظل نقص المناهج. هل يصحّ أن «معهد العالم العربي» في باريس، التقط الفرصة قبلنا، طوَّر أساليبه التعليمية، وخرّج دفعات من بينهم كلير لو جاندر التي عُيّنت حديثاً رئيسةً جديدة للمعهد. افتخرت «الخارجية الفرنسية» في تغريدة لها على «إكس» بأن الرئيسة تتحدث العربية «اللغة المركزية في الدبلوماسية الفرنسية»، وأن شهادتها التي نالتها من المعهد عام 2021 هي من الأهمية بحيث أهَّلتها لأن تتولى هذا المركز المرموق.

ما يؤمّل فعلاً، أن تتمكن الاستراتيجية اللغوية الجديدة للمملكة العربية السعودية من تطوير أفضل المناهج، وافتتاح أمهر المعاهد لتعليم العربية، وأن يصبح تعريب المواد العلمية للمرة الأولى همّاً عربياً مشتركاً. وهي إن طبقت بالحزم المعلن عنه، بجهود مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي له باع طويل ومشرّف في هذا المضمار، فإن المشهد يمكن أن يتغيّر بسرعة. الناس في عميق نفوسهم، في عطش إلى لغتهم التي هي بيتهم، وفي حاجة إلى أن تزاح غلالة شفيفة عن أبصارهم؛ ليدركوا قيمة هويتهم التي لا تكتمل دون الاعتزاز بلسانها.

وقبل أن يخرج علينا دعاة التفرنج، ويرموننا بحجة التعصب والانغلاق، فإن إجادتنا لغتنا، وتحدثنا إياها، وكتابتنا فيها من دون ارتباك أو خجل، وكأنها عار نخشاه، هو من اكتمال إنسانيتنا، كما كل أمم الأرض. أما تعلم اللغات الأجنبية، فباب فسيح للإطلالة على الآخر، ووعي الذهنيات، وتسهيل التعاطي مع الشعوب بفهم ثقافتها، وإدراك مغاليقها. وهو محبب ومحمود، لا، بل ويشجع. أما ما نعيشه، فهو إنكار مرضي للذات، ومحاولة عرجاء للتشبه بالآخر، بألسن معوجّة وعقول مرتجّة، لا تدرك في نهاية المطاف ذاتها، ولا تصل لأن تتصالح مع غيرها.

هذا المقال يحتوي على 638 كلمة ويستغرق 4 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد