في النزاعات الطويلة، لا يأتي الأمل عادةً في صورة اختراق تاريخي مفاجئ، بل في شكل خطوات صغيرة تُعيد فتح نافذة السياسة بعد أن أغلقتها الحرب. ما يحدث اليوم في غزة يمكن قراءته من هذا المنظور؛ فالتقدم الجزئي الذي تحقق بعد المرحلة الأولى من خطة السلام لا يعني اقتراب التسوية الشاملة، لكنه يمنح فرصة حقيقية لإحياء فكرة السلام نفسها، غير أن هذه الفرصة تبقى هشة؛ لأنها مرهونة بعاملين حاسمين: جدية الأطراف المتنازعة في تنفيذ التزاماتها، وقدرة المجتمع الدولي على كبح جماح إسرائيل ومنعها من العودة إلى منطق القوة المنفردة.
لقد خلق انتهاء المرحلة الأولى من الخطة، وعودة الرهائن، وإعادة فتح معبر رفح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الذي حدده وقف إطلاق النار، انطباعاً بوجود زخم سياسي جديد، هذا الزخم لا ينبع من ثقة متبادلة بين الخصوم، بل من تقاطع مصالح مؤقت؛ فـ«حماس» ترى في الهدنة فرصة للبقاء التنظيمي، وربما الحفاظ على نفوذ سياسي غير مباشر في غزة، بينما ترى إسرائيل في وقف النار متنفساً لتخفيف الضغط الدولي، وإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية، والاستعداد للاستحقاقات الداخلية. بمعنى آخر، كلا الطرفين لا يسعى إلى السلام بقدر ما يسعى إلى تجنب تكلفة الحرب في هذه المرحلة.
ومع ذلك، فإن هذه المصلحة المؤقتة يمكن أن تتحول إلى أرضية سياسية إذا أحسن استثمارها؛ ففي تاريخ الصراعات، كثيراً ما بدأت عمليات السلام بوقفات تكتيكية تحولت لاحقاً إلى مسارات تفاوضية دائمة، لكن الفرق بين هدنة عابرة ومسار سياسي مستقر يكمن في ما يحدث بعد تثبيت وقف النار، وليس في إعلان الوقف نفسه.
التحدي الأكبر الآن هو الانتقال من منطق «إدارة الأزمة» إلى منطق «بناء الاستقرار»، وهذا يتطلب تقدماً متوازناً على 3 مسارات مترابطة: السياسي، والأمني، والاقتصادي. فعلى المستوى السياسي، لا يمكن لأي تسوية أن تستقر من دون وجود سلطة حكم واضحة وفعالة داخل غزة. نقل السلطة إلى هيئة فلسطينية جديدة أو معاد تشكيلها ليس مجرد إجراء إداري، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام الفلسطيني على إعادة بناء نفسه، واختبار لقدرة إسرائيل على القبول بواقع فلسطيني سياسي جديد لا يقوم فقط على منطق السيطرة الأمنية.
أما المسار الأمني، فهو العقدة الأكثر حساسية. مسألة نزع السلاح، خصوصاً سلاح «حماس»، لا يمكن أن تُحل بفرض إملاءات أحادية؛ لأن الحركة ترى في سلاحها ضمانة وجودية وأداة تفاوضية في آن واحد. لكن في المقابل، لا يمكن لإسرائيل أو للمجتمع الدولي القبول ببقاء بنية عسكرية كاملة داخل قطاع يسعى إلى إعادة البناء. الحل الواقعي هنا لا يكمن في نزع فوري وشامل للسلاح، بل في عملية تدريجية مرتبطة بضمانات سياسية وأمنية، وربما بإشراف دولي فعلي، بحيث يتحول نزع السلاح من مطلب انتصار إلى جزء من صفقة استقرار.
غير أن المسار الاقتصادي قد يكون العامل الأكثر تأثيراً في تثبيت أي تقدم سياسي أو أمني؛ فغزة اليوم ليست فقط ساحة صراع، بل منطقة منكوبة اقتصادياً وإنسانياً. إعادة الإعمار ليست مسألة خدماتية، بل مسألة شرعية سياسية. حين يرى السكان تحسناً ملموساً في الكهرباء والمياه والتعليم والعمل، يصبح الحفاظ على الهدوء مصلحة شعبية، لا مجرد اتفاق بين النخب السياسية؛ ولهذا فإن أي خطة سلام لا تربط التهدئة بتحسن ملموس في حياة الناس ستبقى معرضة للانهيار.
لكن كل هذه المسارات ستظل معلقة ما لم يتم التعامل مع العامل الأكثر حسماً: سلوك إسرائيل؛ فالتجربة التاريخية تشير إلى أن فرص السلام في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي غالباً ما تعثرت بسبب اختلال ميزان القوة، الذي يسمح لإسرائيل بتفسير الاتفاقات وفق رؤيتها الأمنية الخاصة. إذا استمرت العمليات العسكرية المحدودة، والتوسع في المناطق العازلة، وفرض القيود الصارمة على الحركة والإعمار، فإن أي تقدم جزئي سيتحول إلى مجرد إدارة طويلة الأمد للأزمة، لا بداية لحلها.
لهذا فإن الدور الدولي، خصوصاً الأميركي، يجب ألا يقتصر على رعاية التفاوض، بل على فرض معادلة توازن حقيقية: ضمان أمن إسرائيل، لكن أيضاً ضمان عدم تحويل الأمن إلى ذريعة لتعطيل أي مسار سياسي. السلام لا يمكن أن يولد في ظل شعور طرف بأنه يملك حق استخدام القوة متى شاء.
في النهاية، لا يمكن القول إن غزة تقف على أعتاب السلام، لكنها تقف على مفترق طرق. التقدم الجزئي الحالي قد يصبح بداية مسار جديد إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية، وقد يتحول إلى هدنة قصيرة إذا عادت الحسابات الضيقة لتغلب منطق التسوية. الأمل موجود، لكنه ليس في الاتفاقات المكتوبة، بل في قدرة الأطراف على تحويلها إلى واقع، وفي قدرة العالم على منع القوة من أن تقتل السياسة مرة أخرى.


