سمر المقرن
لا يجيء يوم التأسيس كتاريخٍ في الذاكرة، بل كحالة وعي. كأن الوطن في هذا اليوم، يتوقّف قليلًا عن الركض، وينظر في المرآة، لا ليطمئن إلى ملامحه بل ليتأكد أن روحه ما زالت في مكانها الصحيح!
نحن لا نستدعي الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل بوصفه أصلًا حيًا. فالحضارات الحقيقية لا تموت، لأنها لم تُبنَ على اللحظة بل على المعنى. على ذلك الوعي المبكر بأن الاستقرار ليس سكونًا، وأن التأسيس ليس حدثًا عابرًا، بل فعلًا أخلاقيًا طويل النفس.
في يوم التأسيس، لا نحتفي بالبدايات السهلة، بل بالبدايات الصعبة. تلك التي وُلدت في بيئة قاسية، لكنها آمنت بأن الأرض يمكن أن تصير وطنًا، وأن الإنسان حين يتصالح مع المكان، يتحوّل من عابرٍ إلى شاهد، ومن شاهدٍ إلى امتداد.
القدم هنا ليس زمنًا بعيدًا، بل عمق. والعمق لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرة الفكرة على الصمود. فكرة الدولة، حين تُبنى على الحكمة لا الغلبة، وعلى التنظيم لا الفوضى، تصبح قادرة على عبور القرون دون أن تفقد بوصلتها.
هذا الوطن لم يتأسس على الخرائط فقط، بل على إدراك مبكر لقيمة الإنسان، ولأهمية أن تكون السلطة حامية للمعنى، لا مجرد إدارة للواقع. لذلك، لم يكن التأسيس بداية حكم فحسب، بل بداية سردية تقول إن الحضارة لا تُفرض، بل تُزرع، وتحتاج وقتًا لتؤتي ثمارها.
في هذا اليوم، نشعر أن المكان يبادلنا الشعور. أن الجغرافيا لم تكن صامتة يومًا، بل كانت تصغي، تحفظ، وتنتظر. وكل من مرّ هنا ترك أثرًا، حتى أولئك الذين لم تُسجّل أسماؤهم، لكن نواياهم صارت جزءًا من البناء غير المرئي.
يوم التأسيس ليس احتفالًا بالوراء، بل طمأنينة تجاه الأمام. هو تذكير عملي بأن من عرف جذره، لا يخاف الريح. ومن أدرك سرّ البداية، لا يضلّ الطريق، مهما اتّسع الأفق.


