سجال الترجمتين
إيلاف -

في سجالٍ للترجمتين البشريّة والاصطناعيّة؛ كانت اللغة العربية محور ذلك السجال، لِمَا تمتلكه من أدواتِ الذائقة الأدبيةِ والبلاغيّة؛ حيثُ تمتلك الطباق والجناس والبديع والتورية


في سجالٍ للترجمتين البشريّة والاصطناعيّة؛ كانت اللغة العربية محور ذلك السجال، لِمَا تمتلكه من أدواتِ الذائقة الأدبيةِ والبلاغيّة؛ حيثُ تمتلك الطباق والجناس والبديع والتورية، وغيرها من المُحسِّناتِ البلاغيّة، فاللغة العربية حباها الله بهباتٍ وسمات قلّما تُوجد في لغةٍ أُخَرى. أهلها يتكلمونَ لغةً عذبةً تُطرب السامع، وما أدل على ذلك من أدبها شعرًا ونثرًا، فالمعلقات شاهدةٌ على ذلك؛ إذ تقطر عذوبة منذ آلاف السنين. فهي لغةٌ متفرّدةٌ بما تجمع بين العقل والعاطفة، ولِمَ لا؟ وهي -كما قلنا- لغة البديع، وهو ذلك العلم الذي يهتم بتحسين الكلام وتزيينه بأساليب فنيّة تُضفي عليه جمالاً ورونقًا. وذلك الطباق، أحد المحسنات البديعية؛ الذي يجمع بين كلمتين متضادتين في المعنى، كالليل والنهار، والحق والباطل، ويُبرز التناقض، ليجعلَ المعنى مضيئًا، تألفه النفوس، ويدفع السامعَ إلى الإنصات إليه. ومن تلك المحسنات الجناس، ذاك الذي يُعطي اللفظ أو الألفاظ جرسًا موسيقيًّا، حيثُ إنّ اللفظ واحد مع الاختلاف بالمعنى، وتجيء التورية، وهي لفظٌ له معنيان: قريبٌ ظاهرٌ غير مراد، وبعيدٌ خفيٌّ هو المراد. بهذه الجماليّات؛ تكون العربية لغة إبداعٍ، لكونها ليست مجرد وسيلة تواصل، إنما هي بحرٌ من الجمال والإبداع؛ حيثُ تبتكر تراكيب تُزيد المعنى تألّقًا. بهذا يمكننا القول بكلِّ تأكيد إنّ اللغة العربية تبسط نفوذها وقوّتها بما تملكه من أدواتٍ بلاغيّة، تجعل الموضوع جسدًا وروحًا، وهذا ما يجعل ترجمةَ اللغة العربية ذاتَ صعوبة بالغة على الترجمة الآليّة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعيّ؛ التي - وإن كانت قادرة على محاكاة الأسلوب العاطفيّ- فهي تفتقد إلى الروح العاطفيّة واللغةِ المؤثرةِ على السامع أو القارئ؛ إذ يُتطلَّب من المترجم البشريّ أن يكون مهيمنًا على فنونِ اللغة العربية؛ من جماليّاتٍ، وإعرابٍ، وتذوقٍ لآدابها؛ ليجعل منها مادةً قابلةً للحياة. يقول حسن الخضري: "يرتوي مِن آدابِها كلُّ صَبٍّ.. مُغرَمٍ لا يملُّ مِن نجواها.. جمعتْ أحسنَ المعاني وحازتْ.. سِدرةَ الحُسن في أجلِّ حُلاها.. ليس يعلو في الضَّاد إلَّا خَبِيرٌ.. منذُ عهدِ الصِّبا بها يتباهَى.. إنَّما الضَّادُ والفصاحةُ شيءٌ.. واحدٌ، لا يَقوم دُونَ عُراها.. غايةُ الحُسنِ والجمالِ لدَيها.. هي حقًّا قد بُلِّغتْ مُنتهاها". ومن هُنا، نُدرك أنّ الترجمةَ البشريّة تعتمد على الفهمِ العميقِ للسياق، والمشاعر، والثقافة؛ فالمترجم البشريّ يقرأ ما بين السطور، يُعدل من الأسلوب، وينقل روح الكلام المكتوبِ، وغيرِ المكتوب، في حين أنّ المترجم الاصطناعيّ سريعٌ في ترجمته، يعتمدُ على نماذج مدرَّبة على كمٍّ كبير من البيانات اللغويّة، قادرٌ على إعادة الصياغة بأسلوبٍ طبيعيّ، إلا أنّ الترجمة البشريّة تتفوقُ في النصوص ذات العمق الأدبيّ، والدلالات الثقافيّة، والنصوص القانونيّة عالية الحساسية، التي تتطلب دقّةً، ومسؤوليةً، وسريّةً، ووعيًا بالمقاصدِ والسياقات، فضلًا عن تقديرِ الفروق الأسلوبيّة الدقيقة. وتزداد هذه الحساسيّة حين يكون الخطابُ متعلّقًا بمشكلاتٍ سياسيّةٍ؛ إذ قد يُفضي اختلافُ لفظٍ يسيرٍ إلى تبدّل المعنى أو إلى تأويلاتٍ لم تُقصد. وهنا تتجلّى براعةُ المترجم البشريّ الذي يُدرك ما قد تحمله الكلمات من إشاراتٍ خفيّةٍ أو دلالاتٍ سياسيّةٍ. ونخلص إلى القول إنّ الترجمة الآليّة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعيّ يُمكن أن تكون في لغةِ الحديث اليوميّ أو المحادثات، أو في النصوص العامة التي لا تتطلب دقّةً عالية، أمّا لغة القانون، والاقتصاد، والسياسة، والأدب والشعر، وغيرها مما يحتاج إلى اهتمامٍ وعناية، فهذا كُلّه يظلُّ بحاجةٍ إلى ترجمةٍ بشريّةٍ مُتخصصةٍ تضبط المعنى وتجعل منه لغةً يُعتمد عليها.

هذا المقال يحتوي على 483 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد