مِن العيد إلى العيد: كيف النفسيات؟
إيلاف -

يستبشر المواطنون بقرب حلول شهر رمضان المبارك، ويتطلعون إليه بلهف وشوق، ويتناقلون الأخبار والرسائل المبشرة بقدومه عبر وسائل التواصل الإلكترونية؛ ويتبادلون الدعوات لنيل أجره ومثوبته؛

علي الخزيم

يستبشر المواطنون بقرب حلول شهر رمضان المبارك، ويتطلعون إليه بلهف وشوق، ويتناقلون الأخبار والرسائل المبشرة بقدومه عبر وسائل التواصل الإلكترونية؛ ويتبادلون الدعوات لنيل أجره ومثوبته؛ ولكن بسبب نمطية تلك الرسائل يُخيّل لبعض مُستقبِليها أنهم يعيشون خارج زمنهم؛ يتوهمون أنهم (بين الحطيم وزمزم) ومع المهاجرين والأنصار! ثم تَارة أخرى يتساءلون مع ذواتهم: هل أصابهم مكروه أم أن سوءًا قد أحاق بهم؛ أم هو دوار وتقلبات نفسيّة بدأت تتغشَّاهم؟! فالرسائل والتدوينات الواردة لأجهزتهم المحمولة تشير لكل ما دار بعقولهم؛ فهذه -والله- أخلاق الصحابة؛ وسجايا الصالحين؛ غير أن هذا بمُجمَله يخالف ويناقض كثيرًا من واقع القوم في ممارساتهم وتعاملاتهم وعلاقاتهم ببعضهم؛ فماذا دهاهم؟!

ومع إعلان دخول الشهر الكريم تضج الأجهزة المحمولة بنمط آخر من تلكم الرسائل والتدوينات والصور المبتكرة للتهنئات والدعوات بالقبول والغفران؛ ومنها ما يُقرأ بتمعّن ويُشاهد بتأمّل؛ وكثيرها تَمُرّ عليه العيون بلمحة سريعة خاطفة وكأنها تقول: هذا تكرار معتاد ونسخ ولصق عرفناه من سنين؛ ولا يحمل أي معنى صادق من الود والدعوات المخلصة، إنما هي عادة جَرَت بمثل هذه المناسبات لتذكير الآخرين بأنهم على البال؛ ونُذَكّرهم بما بيننا من علاقات قديمة لا نستحضرها سوى مرتين بالعام دون أن نتحدث معهم أو نشاهدهم طيلة شهور السنة، والمبرر أحيانًا المشاغل وتباعد المسافات، ثم إن كلًا مِنهم يدرك دَيدَن الآخر!

إن كانت دواخلنا ومعتقداتنا فِيمَا بيننا من علاقات وتواصل وقرابة تترجمها وتُفصِح عنها رسائلنا المتبادلة قبل الشهر الكريم ومع دخوله وأثنائه؛ وما تحمله من عبارات راقية ودعوات يؤمل أن تكون صادقة: فلماذا لم تتزحزح مشاعرنا الحقيقية منذ رمضان السابق ومِن قبله رمضانات كثيرة؛ وأعياد مَرَّت نَصِفُها بالسعيدة ونُعِدّ لها كل جميل من الملابس والعطور (والابتسامات العريضة) والمجالس المُضَمَّخَة بالبخور وعبق الزهور؟ ذلكم أن ما بدواخل (البعض) وما تُكِنّه نفوسهم وتختزنه قلوبهم لم يتغيّر مع تبدل المناسبات والاحتفاليات وتجدد العطر وأنفاس البَخُور؛ صلبة صلدة هي تلك التركيبات النفسية الصعبة؛ فرسائلها ودعواتها لم تكن سوى تقليد عابر يتم بكل مناسبة دون أفعال تُتَرجِم الأقوال. كان من المفترض والمعقول والمحبب أن تكون مراسلاتنا ودعواتنا ولقاءاتنا بأعيادنا ومناسباتنا السعيدة ذات دلالات واقعية حقيقية ملموسة نجني ثمارها الطَّيبة مِن خِلال ترابطنا وحسن علاقاتنا؛ وتواصلنا بصلة الرحم والقرابة والجيرة والصداقة النزيهة، وألَّا تكون مراسم تقليدية تمثيلية تزول معانيها وآثارها قبل نهاية المناسبة والموسم الديني، وكأننا نؤدي أدوارًا على مسرح مفتوح مع خلل بالنَّص والتشخيص والتَّموضع ومُعاكِسة لبقعة الضوء المفترضة؛ إذن هي -إن كانت كذلك- تجمعات زائفة لتسجيل الحضور لإسكات الأفواه والعيون المراقبة ليس إلَّا، روحانية رمضان وبهجة العيد وأمثالها إن لم تُحقق القَدر المعقول من تصافي النفوس وتقارب القلوب ونبذ شوائب العلاقات فهي كالعدم؛ بل ربما تنضوي تحت دائرة الكِبر والنفاق ومَا يَجُر أصحابه للحضيض مناسبة تلو أخرى، الحق والصواب أن نَرتَقِي بعواطفنا ومشاعرنا وصِدقنا وإخلاصنا لبعضنا تطبيقًا عمليًا للمراسلات والدعوات والتبريكات المتبادلة بيننا.

هذا المقال يحتوي على 425 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد