حتماً ستضع الحرب الحالية أوزارها، وقطعاً ستسكت المدافع وتنطفئ النيران، ويتلاشى الدخان، ويبقى السؤال المركزي: ماذا نحن فاعلون؟
أتصور أن هناك دروساً مستفادة مع نهاية المعارك، أول هذه الدروس أن نمنع التلاعب من قوى طارئة على الإقليم، مثل إسرائيل، أو مجاورة له مثل إيران، بأن تجلب له القوى الكبرى لإشعال معارك عبثية، تضر بالإقليم العربي من دون سواه.
اللعبة بدأت بالتطرف العقائدي، فإسرائيل تعلن، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، أنها تغير الشرق الأوسط، وتسيطر على خرائطه تحت مزاعم «إسرائيل الكبرى». أما إيران، فقد وضعت لنفسها تصوراً إمبراطورياً حين قال مرشدها الخميني العائد من منفاه الباريسي، على طائرة فرنسية عام 1979، وفي حماية دولية، إن هذه المنطقة حكمها العرب لقرون، وحكمها الأتراك لقرون أخرى، وآن لنا نحن - الفرس - أن نحكمها لقرون مقبلة.
منذ تلك اللحظة، تبنَّى الخميني فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، وكان يقول: إن الطريق إلى القدس يمر ببغداد، ومدَّ أذرعه إلى العواصم العربية، من أجل إمبراطورية تستعيد ماضياً إمبراطورياً، على حساب المنطقة العربية بالتحديد، ولذا كانت خلاياه في الخليج تحاول العبث بمقدرات المنطقة العربية الحيوية الأهم في العالم، وما إن تمادى الخميني في رؤيته، حتى اشتعلت الحرب الإيرانية - العراقية، لمدة 8 سنوات، ولم يشأ أن يوقف الحرب رغم الوساطات الدولية، فقد كانت أحلامه تمتد إلى السيطرة على الخليج العربي، وتصل إلى البحر الأحمر، وترنو ببصرها إلى البحر المتوسط، ولذا كان اتفاقه العميق مع «سوريا حافظ الأسد»، على صناعة «حزب الله» في لبنان، وصولاً إلى العبث في الفناء الخلفي للخليج، أي اليمن، لتكون هذه المساحة الشاسعة ضمن مركز فارسي واسع، يصل حتى دولة أذربيجان، ومن أجل هذا كان التمسُّح بالقضية الفلسطينية «بيضة القبان» للدول التي تريد أن تسيطر عليها، من أجل صناعة نفوذ عبر هذه القضية الأهم في تاريخ العالم، فهي القضية الوحيدة التي تمنح الشرعية لمَن يريد أن يكون حاضراً في قلب التفاوض العالمي، ولذا وصلت إليها إيران عبر التنظيمات الفلسطينية التي لا ترتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية، بل نشأت من أجل تدمير فكرة هذه المنظمة القائمة على تحرير فلسطين في دولة مستقلة، على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لكن هذه الجماعات كانت الجسر إلى النفوذ الإيراني، لتحقيق مآرب ذاتية للمشروع الفارسي.
الحقيقة، أن رحيل الخميني عام 1989، لم يوقف هذه الأوهام لدى البعض في إيران، بل توسَّعت مع حلفائه، فاستثمروا في الاضطرابات التي ضربت المنطقة، وساعدوا الولايات المتحدة الأميركية، في التمكين من غزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق 2003، وهذا اعتراف جاء صريحاً على لسان الإيراني هاشمي رفسنجاني، الذي قال: «لولا إيران ما تمكَّنت أميركا من احتلال أفغانستان أو العراق».
وما دمنا نتكلم عن رفسنجاني، فإننا نتذكر على الفور قصة «إيران - كونترا»، أو «إيران غيت»، تلك التي تفجَّرت في أثناء الحرب الإيرانية - العراقية، حين استيقظ العالم على مفاجأة كبرى، فحواها: أن إيران تحصل على أسلحة إسرائيلية، وأميركية، برعاية «الموساد» الإسرائيلي والمخابرات المركزية الأميركية، في الوقت الذي كانت ترفع فيه إيران شعار: «الموت لأميركا... الموت لإسرائيل»، ولكنها كانت اللعبة. وهكذا تمَّ تقسيم الأدوار بين الأجنحة، وهو الذي وصل بنا إلى الحريق الحالي في المنطقة، فسواء أكانت إسرائيل، أم المتطرفون الدوليون، أم أصحاب الرؤية الإيرانيون، فإن اللعبة تناهض رؤية شعوب المنطقة العربية، فما بين حلم بإمبراطورية أو دولة دينية، عقائدية كبرى مثلما يحلم نتنياهو والمتطرفون في إسرائيل، أو قوى كبرى طامحة للسيطرة على الطاقة، والممرات البحرية والبرية، فإننا نرنو ببصرنا بعيداً، إلى ضرورة التخلص من هذه الحلقات الجهنمية، التي تحيط بالمنطقة، وأمامنا ما يحدث في لبنان واليمن وفلسطين على سبيل المثال، وأعتقد أنَّ أول كسر هذه الحلقات، هو منع نشوء تنظيمات ذات صبغة عسكرية داخل مؤسسات الدول الوطنية، وثاني المواقف التي يجب أن تتشكَّل على الفور، هو تكوين نواة صلبة عربية، فكرية وثقافية وعسكرية؛ لمنع تهديد مستقبل الشعوب العربية، مع ضرورة التأكيد على أنه آن الأوان ليرفع الجميع أيديه عن الإقليم العربي، فالأمن القومي العربي، ليس مهماً لشعوبه وحدهم، بل هو العقيدة الاستراتيجية لأي نظام عالمي قيد التشكيل.
لا شك أنَّ الاعتداء على الأراضي العربية من قبل أي قوة سواء إسرائيلية أم إيرانية، هو خطر كارثي، وغير مقبول مهما تكن المبررات، فسيادة الدول العربية، واحترام مقدراتها خط أحمر، ويجب أن يفهم المعتدون أن الحرب ستتوقف، وستبقى الآثار العميقة، التي لن تغفرها الشعوب، ولن تسقط من حسابات التاريخ، ولن تغفرها الجغرافيا.


