رقعة الشطرنج الصغرى
إيلاف -

كان زبغنيو بريجنسكي هو مَن كتب عمله الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى»، الذي أثار جدلاً عالمياً لا يزال صداه يتردد مع كل حرب جديدة.

بريجنسكي قفز إلى الأمام عشية انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وانهيار المنظومة الشرقية كقطع الدومينو، ورأى أن العالم صار رقعة شطرنج كبرى يجب أن تستحوذ عليها الولايات المتحدة، شرط أن تُسيطر على أوراسيا، أو ما يسمى قلب العالم في أدبيات الجغرافيا السياسية، وطرح تصوراً للهيمنة على الدول التي كانت ضمن المنظومة الاشتراكية.

وبالطبع لم يكن وحده، فقد برزت أطروحات أخرى مثل مقولة نهاية التاريخ والإنسان الأخير لصاحبها فرانسيس فوكوياما، غير أن الواقع الدولي سرعان ما عرقل هذه التصورات، فالحرب الروسية على أوكرانيا، وقبلها ما عُرف بالثورات الملونة، أعادت تشكيل المشهد.

جاءت حرب أوكرانيا لتضع أوروبا في قلب مثلث حصار معقد، خصوصاً مع التحولات التي عبر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وثيقة الأمن القومي 2025، حين أشار إلى احتمالات تآكل البنية الحضارية الأوروبية خلال عقدين، وهاجم حلف شمال الأطلسي، وفرض رسوماً جمركية على حركة التجارة عبر الأطلسي.

في هذا السياق، لم تعد هناك رقعة شطرنج كبرى، يمكن أن تهيمن عليها واشنطن من دون أوروبا، ومع انكشاف الأخيرة بين حرب كييف، وتعثر التجارة عبر المحيط، وترددها في الانخراط الكامل في صراعات الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الرقعة لم تعد كبرى، وتقلصت إلى رقعة صغرى، تدور على مساحة الإقليم العربي وهوامشه.

هذه الرقعة الصغرى هي التي يرجح أن تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي المحتمل، إذ إن النظام الذي أقامته الولايات المتحدة منذ عام 1945 يتآكل تدريجياً. ورغم ما اعتراه من اختلالات، فقد أتاح قدراً من المرونة في حركة القواعد والقوانين الدولية، حتى إن كان هو ذاته الذي أنتج واقعاً تاريخياً في الشرق الأوسط بإنشاء إسرائيل، بوصفه نتاجاً ملتبساً، خصوصاً أن شعوب الإقليم العربي لم تكن طرفاً في اندلاع الحربين العالميتين.

تبدو هذه الرقعة الصغرى أقرب إلى جوهر الواقع، فعلى مساحتها تنشب حروب لا تستند إلى قواعد مستقرة، تستخدم فيها الطاقة والمنشآت المدنية والصناعية، والمدن السكنية، وتتسع دوائرها بهدف توريط الجميع، مع تجاوز متكرر لكل الخطوط الحمراء.

إن اختيار الإقليم العربي نواةً لتشكيل نظام دولي جديد يعني أن شعوبه ستتحمل تكلفة لعبة دولية تستدعي خرائط قديمة؛ حيث تتنافس القوى الكبرى على هذا الشريان الحيوي.

وعلى حواف هذه الرقعة، تبدو الصين في الشرق الأقصى صامتة، تراقب وتنتظر انقشاع غبار المعارك، رغم ارتباطها الوثيق بهذه الرقعة عبر الطاقة. في المقابل، تبدو روسيا أحد المستفيدين مما يجري، مع تراجع زخم الدعم الغربي لأوكرانيا، وازدياد الطلب على مواردها من الغاز والنفط، ومحاولات فك القيود عن أرصدتها المجمدة.

أما أوروبا، فتبدو في حالة مراجعة، تبتعد نسبياً عن الأطلسي، وتبحث عن مفتاح يُعيد تعريف ذاتها الاستراتيجية، ومن ثم، فإن رقعة الشطرنج العربية الصغرى تظل مرشحة لأن تكون نواة لنظام دولي متعدد المراكز، عسكرياً واقتصادياً وثقافياً.

وفي نهاية المطاف، فإن مآلات هذه الحرب ستُحدد ما إذا كانت هذه الرقعة ستستعيد توازنها أم ستظل رهينة صراعات تتنازعها مشروعات متعارضة، بين طموحات التوسع الإقليمي، أو إعادة إنتاج إمبراطوريات قديمة، أو تدخلات قوى لم تتوقف يوماً عن السعي للسيطرة على هذا المجال الحيوي.

في المحصلة، يجب ألا تكون رقعة الشطرنج العربية الصغرى ميدان رماية، وعليها أن تتحول إلى فاعل إذا أحكمت شروطها: سياسياً، بإرادة منسقة تصاغ من الداخل، وثقافياً، بهوية تنتج المعنى وتحصّن الذات، واقتصادياً، بتكامل صلب يحول الموارد إلى قوة، عندها فقط، تصون هذه الرقعة قوتها الذاتية، وتصبح رقماً صعباً في المعادلة الدولية المقبلة.



إقرأ المزيد