من شوارع القرى إلى ذاكرة التاريخ.. حكاية "رجل الدب" في روسيا القيصرية
روسيا اليوم -

لم تكن صورة الدببة التي "تتجول في شوارع روسيا" مجرد خيال شعبي، بل استندت إلى تقليد تاريخي حقيقي في روسيا القيصرية، تمثل في شخصية "رجل الدب" أو مروّض الدببة، التي شكّلت جزءا من الحياة الثقافية الشعبية لقرون طويلة.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى عصور قديمة، لكنها ازدهرت مع ظهور فرق "السكوموروخ"، وهم فنانون جوّالون اتخذوا من الدب شريكا رئيسيا في عروضهم ومصدرا للرزق. وتشير وثائق من القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى انتشار واسع لعروض الدببة، التي حظيت بشعبية كبيرة في مختلف أنحاء البلاد.

Legion-Media

ومع مرور الزمن، تحولت هذه الممارسة إلى مهنة قائمة بذاتها، حيث كان الفلاحون يتنقلون بين القرى والمدن برفقة دببة مدرّبة. ولم تكن العروض مجرد ترفيه بسيط، بل شكلت نوعا من المسرح الشعبي المتنقل، يجمع بين الكوميديا والسخرية من الحياة اليومية. وغالبا ما تألفت الفرقة من مروّض الدب، ومساعدين اثنين، إضافة إلى الدب نفسه، الذي كان يؤدي دورا محوريا في العرض.

إقرأ المزيد

كان "رجل الدب" يتولى أدوارا متعددة، بصفته المدرب والمخرج والممثل، فيقود العرض ويعلّق على حركات الدب بنكات طريفة تضفي طابعا تفاعليا. أما الدب، فكان يحاكي سلوك البشر بأسلوب ساخر، مقلدا شخصيات مثل النبيل أو الكاهن أو الفلاح، أو مجسدا مشاهد من الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه، كان أحد المساعدين يؤدي دورا فكاهيا، بينما يتولى آخر العزف الموسيقي لإضفاء أجواء احتفالية.

بعد انتهاء العرض، كان الدب يتجول بين الجمهور لجمع الأجر، الذي غالبا ما كان يُقدَّم على شكل طعام، مثل الفطائر أو البيض، في مشهد يعكس بساطة هذا النمط المعيشي.

Legion-Media

ورغم طابعها الترفيهي، قامت هذه العروض على أساليب تدريب قاسية، شملت تقليم المخالب ونزع الأنياب، بل وزراعة حلقات في الأنف أو الشفة للتحكم بالدب عبر الألم، وفي بعض الحالات تعرّضت الحيوانات لممارسات أشد قسوة.

وقد واجهت هذه الظاهرة معارضة من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، التي اعتبرتها ممارسات غير مقبولة، ما دفع القيصر أليكسي ميخايلوفيتش إلى إصدار مرسوم عام 1648 لحظرها، دون أن يتمكن من القضاء عليها بشكل كامل.

لكن النهاية الفعلية جاءت في القرن التاسع عشر، حين أصدر الإمبراطور ألكسندر الثاني عام 1867 قرارا بمنع استخدام الدببة في العروض الشعبية، بدعم من جمعيات حماية الحيوانات. إلا أن هذا القرار كانت له تبعات قاسية، إذ فقدت عائلات كثيرة مصدر رزقها، بينما لم تتمكن الدببة المدربة من العودة إلى البرية، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة منها.

ورغم الحظر، استمرت بعض مظاهر هذه المهنة حتى ثلاثينيات القرن العشرين، قبل أن تختفي تدريجيا.

وهكذا، يعكس "رجل الدب" جانبا معقدا من التاريخ الروسي، حيث تتقاطع الثقافة الشعبية مع القسوة، والفن مع المعاناة، في صورة تجسد تحولات المجتمع عبر الزمن.

المصدر: Gateway to Russia

إقرأ المزيد


إقرأ المزيد