سجّل يا تاريخ
إيلاف -

ليلى أمين السيف

ليس عليك أن تقرأ تاريخ الاستعمار، يكفي أن تشتري تذكرة دخول لأي متحف غربي

تمشي بين القاعات فتجد نفسك في بغداد وأنت في لندن، وفي القاهرة وأنت في باريس، وفي فاس وأنت في نيويورك.

اللافت ليس جمال المعروضات؛ فالجمال واضح ،اللافت أن معظم ما تراه لا يمثّل الدولة التي تستضيفه لا جغرافيًا،ولا حضاريًا، ولا روحيًا.

محرابٌ إسلامي لا يعرف كنائس المدينة التي يُعرض فيها. مصحفٌ مملوكي لا تربطه صلة بسماء الشمال الرمادية. تمثالٌ فرعوني لا يعرف نهرًا اسمه التايمز أو السين.

أنت لا تزور تاريخ تلك الدولة، أنت تزور تاريخ غيرها.. مُرتّبًا، مُنظّمًا، ومُعادَ تعريفه

المفارقة أن المتحف يبدو وطنيًا من الخارج، لكنه من الداخل خريطة إمبراطورية قديمة

كل ما فيه يتحدث بلغاتٍ بعيدة، ويحمل ذاكرة أراضٍ أخرى، وقصص شعوبٍ ليست هنا

ولهذا،حين تشتري التذكرة،أنت لا تدخل متحفًا لدولة ما، بل تدخل أرشيفًا لعالمٍ جُمِع تحت سقف واحد.

ليست القصة عن قطعة خزف،ولا عن مصحف مذهّب، ولا عن محرابٍ كُسِر من سياقه فصار تحفة معروضة.

القصة عن ذاكرة أمةٍ تمشي اليوم في صالات باردة، تقرأ بطاقة تعريف صغيرة تقول

«Origin: Middle East. Acquisition: 19th century.»

وكأن القرن التاسع عشر كان سوقًا موسميًا مفتوحًا لا احتلال فيه، ولا مدافع، ولا امتيازات قسرية.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية حكاية قطعٍ خرجت من أرضنا العربية،لا كسفراء ثقافة، بل كأصداء زمنٍ اختلّت فيه موازين القوة تعالوا نفتح القاعات واحدةً واحدة، ونرَ كيف صارت آثار دولنا معروضةً في مدنٍ لا تشبهها.

لنبدأ ببلاد الرافدين والعراقة الأبدية:

العراق ليس فقط حضارة سومر وآشور هو بغداد العباسية، هو بيت الحكمة، هو المصاحف التي خطّها الورّاقون بمدادٍ يشبه الضوء.

منذ القرن التاسع عشر،حمل المستشرقون والبعثات العلمية ما خفّ وزنه وثقل معناه.

من قطع آشورية، تحف عباسية، مخطوطات قرآنية، كلها وجدت طريقها إلى خزائن مثل

.(في نيويورك) المتحف البريطاني و متحف المتروبوليتان للفنون.

وفي 2003، نُهب المتحف الوطني في بغداد أمام عدسات العالم. آلاف القطع اختفت ألواح مسمارية، تماثيل، مخطوطات، أختام أسطوانية لكن النزيف لم يبدأ يومها.

سجّل يا تاريخ:

مصر ليست مجرد حضارة فرعونية تُختزل في تمثال فهي الأزهر، هي المصاحف المملوكية، هي المشكاوات الفاطمية.

في المتحف البريطاني يقف حجر رشيد كأنه سائح دائم لا يملك تذكرة عودة. وفي باريس ينتصب مسلّة الأقصر أمام ساحة الكونكورد كأن النيل قرر أن يهاجر إلى السين.

يقال: «تم إهداؤها» نعم، الإهداء في زمن المدافع يصبح لغة دبلوماسية راقية.

سجّل يا تاريخ:

أما سوريا البهية الأبية. سوريا التي أنجبت الأمويين وزيّنت مساجدها بفسيفساء غنية بالجمال صارت أرضًا مفتوحة لشبكات التهريب، خلال الانتداب خرجت قطع «بموافقة رسمية» موافقة من؟!

من سلطة مفروضة أصلًا وخلال الحرب الحديثة، تحولت الآثار إلى عملة تباع في مزادات أنيقة بأسماء جامعين محترمين وبشهادات منشأ غامضة. بعضها استقر في صالات متحف اللوفروبعضها لا يزال يدور في السوق السوداء بلا اسم، بلا وطن، بلا ذاكرة.

المفارقة.. أن الدول التي تندد بتمويل الإرهاب اشترت أو سمحت بالشراء من نفس الفوضى التي غذّت ذلك الإرهاب.

سجّل يا تاريخ:

السودان أرض كوش ومروي، حيث الأهرامات النوبية الأقل شهرة والأكثر صمتًا.

قطع نوبية استقرت في متاحف أوروبا منذ القرن التاسع عشر.الفرق بين الأهرامات المصرية والنوبية أن الأولى تسكن المخيلة العالمية، والثانية تسكن المخازن.

حتى النسيان يمكن أن يكون شكلًا من أشكال السلب!!

سجّل يا تاريخ:

ليبيا التي شهدت حضارات متعاقبة، من لبدة الكبرى إلى العهد العثماني، خرجت منها قطع في زمن الاحتلال الإيطالي، ثم في زمن الفوضى الحديثة: مزادات، تجار، جامعون، خاصون والنتيجة؟ ليبيا تقرأ تاريخها أحيانًا في كتالوج مزاد.

سجّل يا تاريخ:

اليمن السعيد، أرض اللبان والنقوش التي عبرت البحر.اليمن،أرض النقوش السبئية، قطع سبئية وإسلامية ومخطوطات قرآنية ذات خط فريد ظهرت فجأة في مزادات نيويورك خرجت منها قطع في عزّ الانهياروفي كل مرة الجملة نفسها «تم الحصول عليها بطريقة قانونية» قانونية وفق أي قانون؟ قانون الدولة التي كانت تتفكك تحت القصف؟ أم قانون المزاد الذي لا يهتم بالحسرات؟

سجّل يا تاريخ:

تونس، قرطاج، جامع الزيتونة،مخطوطات، فسيفساء، تحف إسلامية خرج بعضها زمن الحماية الفرنسية .في متحف اللوفر حيث ترى آثار شمال إفريقيا مصنّفة تحت «فن البحر المتوسط»هو توصيف أنيق يمحو الحدود ويمحو الملكية.

المغرب، فاس، مراكش،عناصر معمارية مغربية كاملة بيعت أو نُقلت إلى متاحف أو قصور خاصة في أوروبا وأمريكا. باب، نافذة، سقف خشبي منقوش .أجزاء من بيوت ومساجد أصبحت تحفًا متنقلة.

سجّل يا تاريخ:

المتاحف تقول: «نحن نحفظ التراث الإنساني»

الخطاب الرسمي أن هذه القطع حُفظت من الإهمال والدمار.والسؤال المشروع

من الذي صنع الإهمال؟ ومن الذي أضعف الدول حتى صارت كنوزها بلا حراسة؟

لا أحد ينكر أن بعض المتاحف صانت القطع فعلاً من الضياع، لكن الحفظ شيء

والملكية شيء آخر.

سجل يا تاريخ

وحين تنتهي الجولة في تلك القاعات اللامعة، وتخرج إلى ضوء الشارع الأوروبي الهادئ، تدرك المفارقة الكبرى أن الحضارة التي تُعرض هناك ليست حضارة المكان الذي تقف فيه، بل حضاراتٍ اقتُلعت من أوطانها ثم أُلبست ثوب التمدّن. لقد قيل للعالم طويلًا إن الاستعمار جاء لينشر الحضارة لكن المتاحف نفسها تهمس بالحقيقة. لم يكن نشرًا للحضارة بل جمعًا للغنائم.غنائم نُظّفت جيدًا، ووضِعت خلف زجاجٍ أنيق، ثم كُتب تحتها بخط مهذّب «تحفة إنسانية».

يا للمفارقة، الأمم التي اتهمت غيرها بالهمجية، ملأت قاعاتها بآثار تلك الأمم . والحضارة التي رفعت شعار التنوير دخلت مدن الآخرين بالمَدافع، وخرجت منها بالصناديق.

سجّل يا تاريخ

لم تكن المشكلة يومًا في الحجارة التي نُقلت، بل في الأخلاق التي نُقلت معها؛ فالحضارة التي تحتاج إلى السرقة لتزين قاعاتها ليست حضارة، بل نهبٌ متقن الإضاءة.



إقرأ المزيد