شبح "نموذج غزة" يخيم على لبنان
إيلاف -

إيلاف من بيروت: في تصعيد يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية ليطال شرايين الحياة الأساسية، تتزايد التحذيرات الدولية من استنساخ إسرائيل لـ "نموذج غزة" في لبنان. ويعتمد هذا النموذج، وفقاً لتقارير حقوقية وبيئية متقاطعة، على استراتيجية التدمير الممنهج للبنية التحتية والموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه والأراضي الزراعية، مما يفرض حصاراً خانقاً يهدد حق السكان في الحياة والبقاء، وينذر بتحويل مناطق واسعة إلى مساحات غير قابلة للسكن.

وفي تفكيك لأبعاد هذه الاستراتيجية، سلطت منظمة "أوكسفام" الدولية الضوء على التدمير المنهجي لقطاع المياه. وكشفت المنظمة أن القوات الإسرائيلية ألحقت أضراراً جسيمة بما لا يقل عن سبعة مصادر مياه حيوية في منطقة البقاع خلال أربعة أيام فقط في الأسابيع الأولى من التصعيد الأخير. ولم يقتصر الدمار على المنبع، بل امتد ليشمل الخزانات، وشبكات الأنابيب، ومحطات الضخ التي كانت تؤمن المياه لنحو سبعة آلاف شخص. وما يزيد من خطورة المشهد، بحسب "أوكسفام"، هو أن الضربات استهدفت أيضاً مواقع كانت قيد إعادة التأهيل بعد تضررها في حروب سابقة، وتزامنت مع تدمير شبكات الكهرباء والجسور، في مسعى واضح ومُنظم لعزل قرى وبلدات بأكملها عن أبسط مقومات الحياة.

غياب الرادع والمساءلة
وقد دفع هذا الواقع مدير منظمة "أوكسفام" في لبنان، بشير أيوب، إلى إطلاق صرخة تحذيرية شديدة اللهجة، معتبراً أن غياب الرادع والمساءلة في غزة شجع على تكرار الجرائم ذاتها في لبنان. وأكد أيوب أن "العالم أظهر أن إسرائيل يمكنها فعل ما تريد، من دون تبعات، ليدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذا التقاعس". وشددت المنظمة على أن اتفاقيات جنيف تحرم بشكل قاطع استهداف المرافق الأساسية لبقاء السكان، معتبرة أن أي حرمان متعمد من المياه يُعد "جريمة حرب" مكتملة الأركان تتحول فيها المياه إلى ورقة ضغط عسكري.

هذه المخاوف الحقوقية تقاطعت مع أعلى المرجعيات الأممية؛ إذ حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من دفع لبنان نحو المصير المأساوي الذي آل إليه قطاع غزة. وطالب غوتيريش بصراحة بضرورة ألا يُستنسخ "نموذج غزة" في لبنان، داعياً الأطراف كافة لوقف العمليات العسكرية التي يدفع المدنيون فاتورتها بالدرجة الأولى.

سياسة "الأرض المحروقة"
على مسار موازٍ، تتصاعد المخاوف البيئية من سياسة "الأرض المحروقة" التي تستهدف تدمير الغطاء النباتي وتسميم التربة، مما يعمق من أزمة المناخ وهشاشة الأنظمة البيئية. وفي هذا السياق، وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام الجيش الإسرائيلي لذخائر الفوسفور الأبيض بشكل غير قانوني فوق منازل سكنية في بلدة "يحمر" بجنوب لبنان في الثالث من مارس. واستندت المنظمة إلى ثماني صور مؤكدة تظهر الانفجارات الجوية لهذه الذخائر المحرمة دولياً في المناطق المأهولة، إلى جانب صور لعناصر الدفاع المدني وهم يكافحون الحرائق الناتجة عنها.

وتُدعم هذه الانتهاكات بأرقام رسمية مرعبة كشف عنها المجلس الوطني للبحث العلمي في لبنان، والذي رصد تنفيذ القوات الإسرائيلية لـ 175 هجوماً باستخدام الفوسفور الأبيض في جنوب البلاد بين أكتوبر 2023 ويوليو 2024. وقد أسفرت هذه الهجمات عن اندلاع حرائق التهمت أكثر من 1480 فداناً من الأراضي الزراعية، محولةً مساحات خضراء شاسعة إلى رماد.

واستكمالاً لقرع أجراس الخطر، حذرت منظمة "غرينبيس" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من التداعيات المباشرة للحرب على جودة المياه والتربة والهواء. وأكدت المنظمة أن الحروب لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تضرب النظم البيئية في الصميم، مما يعرض صحة السكان وسلامتهم وسبل عيشهم لمخاطر جسيمة تعيد إلى الأذهان التدمير المنهجي للبيئة في حروب سابقة، والذي لا تزال المجتمعات المحلية في الجنوب اللبناني تدفع ثمنه حتى اليوم.



إقرأ المزيد