خلاصات من زمن الثورة الإيرانية
إيلاف -

بيّنت محصلة إجمالية للهجمات التي شنتها إيران في الأسبوع الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أن أكثر من 80 في المائة من العمليات استهدفت البلدان العربية في الخليج، مقابل أق

بيّنت محصلة إجمالية للهجمات التي شنتها إيران في الأسبوع الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أن أكثر من 80 في المائة من العمليات استهدفت البلدان العربية في الخليج، مقابل أقل من 20 في المائة ضد إسرائيل. وتشمل العمليات الإيرانية إطلاق صواريخ ومسيّرات، وُجّهت نحو منشآت اقتصادية حيوية ومدنية، إضافة إلى منشآت عسكرية، في كل من الإمارات والكويت والسعودية والبحرين وقطر وعُمان.

وبالتوازي، شملت خريطة العمليات الإيرانية هجمات ميليشيات تابعة لها على الأردن والعراق وسوريا والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ودول خليجية، فأصابت، لا سيما الميليشيات العراقية، أهدافاً في غالبية البلدان التي سقطت فيها أيضاً بقايا صواريخ ومسيّرات، أوقعتْ خسائرَ وضحايا في بلاد ما كانت طرفاً في الحرب.

جسّدت عملياتُ إيران وميليشياتها؛ من حيث مجرياتها ونتائجها، آخرَ خلاصات التدخل العدواني لسلسلة سياساتها حيال البلدان العربية، التي توالت منذ الثورة الإيرانية، وأسست وطورت حلم إيران السيطرة على جوارها العربي بكل الطرق والأساليب، وتجاوزت في هذا التطور سياسات نظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان أقصى طموحاته لعب دور الشرطي في الخليج، من دون أن يكون له طموح التمدد والسيطرة في جواره العربي.

قامت استراتيجية النظام على فكرة تصدير الثورة؛ تمهيداً لخلق شرق أوسط مرتبط بطهران أو يدور في فلكها على الأقل، ووَجد في بعض وقائع المنطقة بواباتٍ لتدخّله، وكان الأبرز فيها استغلال «الوجود الشيعي» في عداد الجماعة الوطنية داخل عدد من بلدان الجوار، فسعى إلى التقرب إليه وتأطيره خدمة لسياساته. والواقعة الثانية دخوله على خط الصراع العربي - الإسرائيلي من بوابة دعم ومساندة القضية الفلسطينية التي كانت تشغل في ذلك الوقت اهتمامات العالمَين العربي والإسلامي. أما الواقعة الثالثة فالسعي إلى تحريك فكرة الوحدة الإسلامية.

وعبر تلك الوقائع، خلق نظام الثورة الإيرانية بواباتِ تسللٍ نحو الأعماق العربية؛ دولاً وحكوماتٍ وشعوباً، فأقام تحالفات مع دول وجماعات وتنظيمات، من بينها تحالفه مع نظام حافظ الأسد وبعض جماعات إسلامية وتنظيمات متطرفة. وانخرط من جهة أخرى في صراعٍ أهم فصوله حرب مع نظام صدام حسين في العراق، وجماعات وتنظيمات عارضته، ومد أياديه في اتجاه ثالث (ما دام أمكن ذلك) نحو تشكيل جماعات سياسية وميليشيات مسلحة، ودعم أخرى قاربت أو تبنت خط إيران الآيديولوجي أو السياسي.

ووسط هذا السياق، وُلدت تنظيمات ذات مرجعية إيرانية منها «حزب الله» اللبناني والميليشيات الشيعية في العراق، وأخرى حليفة لطهران مثل حركة «حماس»، أو تسير على خطها مثل حركة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين.

لقد تمخضت سياسات النظام الإيراني مع البلدان العربية عن سلسلة خلاصات في نحو 50 عاماً مضت، كان منها أن إيران صارت فاعلاً أساسياً في دول عربية لم يَعُدْ بوسعها المضي في أي اتجاه من دون أخذ موقف طهران في الحسبان، خصوصاً بعد أن صارت قوةَ سيطرةٍ وتأثيرٍ في فضاء عربي واسع، يشمل لبنانَ عبر «حزب الله» وحلفائه، وسوريا في ظل نظام الأسد، والعراقَ بعد إسقاط نظام صدام حسين، وجماعةَ الحوثي بصفتها أداة إيران في اليمن، والدورَ الذي وصلت إليه حركتا «حماس» و«الجهاد» في غزة قبل عملية «طوفان الأقصى».

لقد أدار النظام الإيراني، وهو يسعى إلى التمدد الإقليمي خصوصاً في المحيط العربي، عمليات تدمير واسعة، أهدرت إمكانات المنطقة وقدراتها؛ بدفعها إلى التسلح والحروب والصراعات الداخلية وموجات الهجرة التي أدت إلى مقتل وتشريد عشرات الملايين... ففي حرب إيران مع العراق سقط أكثر من مليوني ضحية، وتجاوزت تكاليف الحرب 400 مليار دولار. وفي الحرب السورية، التي ما كانت لتقع لولا وجود إيران ودعمها الأسد ومشاركتها وميليشياتها في الحرب، قُتل مئات آلاف السوريين، وتجاوزت تكلفة الصراع 600 مليار دولار. أما محصلة التهجير في الحربين، فقد زادت تقديراتها على 15 مليون نسمة.

لم يقتصر هذا الدور المدمر في خلاصاته على ما لحق بالمحيط العربي والإسلامي، بل إن تأثيره امتد في الداخل الإيراني، فانخرط النظام في حربين مدمرتين لا تتبين نهاية الثانية منهما. وهذه بعض خلاصات زمن الثورة في إيران.

هذا المقال يحتوي على 567 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد