ثلاثة أجزاء ضخمة، هي هذه الرواية التي أمضيت معها أجمل الأوقات. وفكرت، لو أن كاتبتها الحائزة على جائزة نوبل العام 1928 النرويجية سيجريد أوندست كانت تعيش في زمننا هذا هل كانوا سيلاحقونها بالأسئلة إذا كانت نسوية وما معنى كل هذه الأفكار الثورية التي كانت تعمل بها بطلة الرواية.
أحداث الرواية كانت في القرن الرابع عشر، في النرويج. هكذا تكتب الروايات التاريخية، أدركت بعد أن انتهيت.
تتابع الرواية حياة البطلة منذ أن كانت طفلة وحتى وفاتها. رواية تربط الدين والمجتمع والسياسة والأفكار بطريقة سلسة ومتناغمة، بحيث لا تشعر سوى أنك تقرأ حياة فرد واحد تفهم من خلاله كل ما كان يحدث في النرويج في ذلك العهد. هذا هو الأدب. وهذا هو السبب الذي يجعلنا مولعين بالروايات.
كريستين، امرأة نرويجية، من بداية حياتها وهناك أمور مختلفة تحدث لها، ليس فقط عن طريق المصادفة، ولكن أن لها روحا حرة وإرادة قوية ونفسا مفعمة بحب الخير وعدم الخوف من الشعور بالندم ومحاولة التكفير عن خطايا ارتكبتها، بهذه الطريقة تعيش حياتها، كل ذلك يجعلنا نتعرف على الحياة في النرويج في العصور الوسطى.
الرواية غيرت معتقد كاتبتها، هذا ما يمكن للروايات أن تفعل، تغير أفكارك وتغير أفكار كاتبها، لأنه حين يدخل في مسار الكتابة، يدخله بقلبه وعقله وضميره. ويخرج من الكتابة شخصا مختلفا بقدر صدقه مع نفسه ومع الكتابة، هذا ما حدث مع سيجريد التي كانت لا أدرية وتحولت إلى الكاثوليكية بعد نشر الرواية بعامين. أنا شخصيا شعرت بمدى حبها لله وقربها منه، طبعا من خلال شخصية البطلة. كأنها شخصية صوفية.
تبرعت سيجريد بالمكافأة المالية الكبيرة لمصلحة الأطفال المعاقين ذهنيا.
الكتابة ساحرة لأنها تجمع كل شيء في ضفيرة واحدة، وصف المناظر الطبيعية مع المشاعر الإنسانية العميقة، محاسبة النفس والضمير بشكل دائم، التعامل بكل عنفوان واعتزاز وعدم الرضوخ حتى لمن تحب إذا شعرت أن في ذلك ما يهين. والثورة، الثورة في الاستسلام للحب، المطالبة بالحق في اختيار الحياة، ليس كما يجب وكما هو متوقع، وإنما كما ترى حولها في الطبيعة التي تحتفي بالحياة.
تصور سيجريد الشخصيات في روايتها تصويراً دقيقاً، لون الشعر والعينين، شكل الأنف وبدانة الجسد، كل شيء مرسوم بدقة، الغرف في البيوت، والطعام الذي يطبخ والملابس التي ترتديها النساء والرجال، وبالطبع الطقس الذي يعيشون فيه.
لا أعرف إذا كانت الرواية قد تحولت إلى فيلم أو لا، لكنني أعرف أن سيجريد أوندسيت بالنسبة لي في مصاف الروائيين العظماء.


