السكوت من ذهب
إيلاف -

في دول الشمال الأوروبي — السويد، والنرويج، والدنمارك — لا تقوم الدولة على الكرم، بل على معادلة دقيقة: ضرائب مرتفعة مقابل خدمات عالية الجودة. المواطن يدفع، لكنه في المقابل يحاسب. ال

في دول الشمال الأوروبي — السويد، والنرويج، والدنمارك — لا تقوم الدولة على الكرم، بل على معادلة دقيقة: ضرائب مرتفعة مقابل خدمات عالية الجودة. المواطن يدفع، لكنه في المقابل يحاسب. الاقتصاد هناك تقوده المبادرة الخاصة، لكن الدولة لا تغيب، تتدخل عند الحاجة لضبط الاختلالات وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. إنها علاقة تبادلية واضحة: مساهمة تقابلها مساءلة.

هذه هي دولة الرفاه كما تُفهم في سياقها الحقيقي: عقد اجتماعي صريح بين المواطن والسلطة.

في المقابل، تبدو الدولة الريعية، للوهلة الأولى، شبيهة بدولة الرفاه، فهي أيضاً توفر الوظيفة، والدخل، والدعم، وتمتد رعايتها من المهد إلى اللحد، لكن التشابه هنا سطحي، يخفي اختلافاً بنيوياً عميقاً.

في الدولة الريعية، لا يدفع المواطن ضريبة تُذكر، وبالتالي لا تنشأ علاقة مساءلة حقيقية. القاعدة التي شكّلت أساس النظم الديموقراطية الحديثة — «لا ضرائب دون تمثيل» — تنقلب هنا: لا ضرائب، وبالتالي لا تمثيل فعلياً ولا رقابة مؤسسية مستقلة بالمعنى العميق. تغيب المحاسبة، لأن العلاقة ليست تعاقدية، بل أقرب إلى منحة.

في هذا السياق، يتحول المواطن من منتج إلى مستهلك. الدولة لا تحتاج إلى جهده بقدر ما تحتاج إلى رضاه. الريع — ذلك الدخل المتأتى من الموارد الطبيعية دون جهد إنتاجي مباشر — يسمح بتوزيع الثروة على شكل رواتب ومعاشات ومكافآت، غالباً عبر أجهزة بيروقراطية متضخمة، أُنشئت لا لضرورات إنتاجية، بل كقنوات لتوزيع العائد.

هنا، لا تُبنى الشرعية على المشاركة، بل على الاسترضاء.

في دول الشمال، العلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تعاقد: حقوق تقابلها واجبات، وشفافية تقابلها محاسبة. أما في الدولة الريعية فالعلاقة أقرب إلى رعاية أحادية الاتجاه، يصعب معها على المواطن أن يطالب بما لم يساهم في بنائه أصلاً.

لذلك، إذا كان الكلام في دول الرفاه الأوروبية من فضة فإن الصمت في الدولة الريعية — في كثير من الأحيان — من ذهب.

هذا المقال يحتوي على 267 كلمة ويستغرق 2 دقائق للقراءة



إقرأ المزيد