أرى مسؤولاً واسعَ الأفق، يقود مجتمعاً وفيرَ الكوابح، فأقولُ أعانَه الله. وأرى آخرَ ضيِّقَ الأفق، يقود مجتمعاً وفيرَ الكوابح، فأقولُ البقاء لله. حظوظ الدول ترد في التحليل البسيط إلى عاملين أساسيين، الأفق والكوابح. الأفق يحدّد ما يمكن السعي إليه، والكوابح تحدّد ما يمكن تنفيذه. ما دون ذلكَ تصاريفُ الطبيعة، ليس لنا فيها يدٌ.
يتَّسع الأفق بتعدد نشاطات القائد واهتماماته، فإن لم يكن ملمّاً بالتفاصيل كان قادراً على فهم الإمكانية، وتخيّلِ مواطن الفرص، وتنويع مجالات السعي. يعرف مثلاً أنَّ في الرياضة فرصةً، وفي السياحة فرصة، وفي الفنّ فرصة، وفي العلم وفي الصناعة. ويعلم أنَّ هناك فرصاً لا يعرفها، وأنَّ السبيلَ الوحيد إلى اكتشافها فتحُ المجالِ لغيره، والإقرار بأنَّ جوارَ كلّ ذي علم عليم. سعة أفق القائد أدعى لديه إلى إحاطة نفسه بفريقٍ متنوع المشاربِ غزير المواهب من رَوَّادِ المجالات.
لكنَّ أجملَ ما في سعةِ الأفق أنَّها تُعفينا من ضيقه. ضَيِّقُ الأفق عدوُّ ما يجهل، مِكرار لما يعرف ونعرف. أفقه مشغولٌ عن الجديد مُكَدَّسٌ بالذكريات.
وسعة الأفق مع ذلك لا تضمن النَّجاح، لكنَّها تفتح احتمالاته. وهي الأمل الوحيد لسعة الحيلة وتجاوز الكوابح.
الكوابحُ في المجتمعات أنواع. بعضها مرتبطٌ بالعقيدة الاجتماعية التي ترسم حدودَ الحركة. ومنها ما يفرضه عرفٌ اجتماعيٌّ غير ضروري متغلغل في أتون المجتمع.
ومنها ما يدَّعيه نظامٌ سياسي من شعارات تغطي عجزَه عن المنافسة، كادعاء مؤامرة عالمية، أو اختلاق عدوّ خارجي، أو افتراض سموّ أخلاقي.
ومن الكوابح نوعٌ خفي، ظاهره السرعةُ وباطنه العَطَلة. تعجز عن صيانة المُنجَز، وتُراكم المهام الأخرى في قائمة انتظار لا تنتهي. تطرح وفرةً من الحماس على حساب الكفاءة، فلا أرضاً تقطع ولا ظهراً تُبقي. الأنظمة الاشتراكية المركزية نصبت هذا الكمين لنفسها. قدَّمت وعوداً ضخمة، أبعدت أهلَ الخبرة والتجربة، وأقسمت على المجتمع أن يستريحَ استراحة الضيف، وأن يوكل إليها كل شيء، مأكلاً ومشرباً ومَلْبَساً ومسكناً. وحين ناءت بها الحمولةُ أجَّلَت الرفاهيات فالكماليات فالضروريات، ثم الأساسيات.
لكن، من كل هذا، فإنَّ أغبى الكوابح ما غذاه نظامٌ سياسي حتى تضخم وخنقه. يروّج له بأنّه علامة قوة، وهو في الحقيقة مرض مناعة ذاتية. الاتحاد السوفياتي قوَّض نفسَه بدعايته والتزاماته.
تحليل المعقد إلى أبسط صورة ممكنة غرضه الرياضي طرح مسار عكسي للحل، يبدأ بسيطاً ثم يتعقد حسب الحاجة. الخطوة الأولى لإصلاح السياسة أن نوسّع الأفقَ ما أمكن، وأن نتخلَّص من الكوابح ما أمكن.
من هذين المسارين ستتفرع أسئلة أخرى وتنكشف أسئلة، بعضها صادمٌ، وبعضها مرتبطٌ بثوابت وأخلاق، ومعظمها فرضته بنفسك على نفسك. أسئلةٌ صعبة تحتاج إجابات صريحة. لكنَّها تصفي الرؤية وتنظم العقلَ وتعطي صورة بسيطةً عن فرص النجاح. الدول لا تتعطَّل بخصومِها، بل بضيق أفقِها وبالكوابح الكامنةِ في تصميمها.


