إيلاف - 4/27/2026 6:31:47 AM - GMT (+3 )
عبدالرحمن الحبيب
يتبع ترامب نهجاً واضحاً في المفاوضات، تبدأ مرحلته الأولى بالصفقات «الصفرية» متوعداً بأشد التهديدات بلا مقدمات دبلوماسية أو تبريرات بلاغية، ثم تليها مرحلة تلطيف الخطاب فاتحاً منفذاً مغرياً للآخر لقبول الصفقة بتقديم تنازلات تلبي أهم المطالب الأمريكية، وليس شرطاً كلها، وإذا لم تفلح الصفقة يُعيد المحاولة بمناورة مختلفة، أو ينسحب دون عقد صفقة إذا رأى أنها لا تلبي أهم مطالبه.
أحدث شواهد نهج ترامب، ظهر خلال الحرب على إيران، عندما هدد مراراً بشن أقسى الضربات، لكنه حدد مهلة لقبول شروطه، ثم عاد ومدد المهلة بتهديد أشد.. وعندما بلغ الأمر ذروته بتهديد خيالي بتدمير «حضارة بأكملها» أعلن قبل نهاية المهلة بساعتين عن هدنة وفتح باب المفاوضات لمدة أسبوعين التي سرعان ما وافقت عليها إيران المنهكة من الضربات، بعدها أعلن ترامب فشلها في يومها الأول، لكنه عاد ليقول إنه لا تزال هناك إمكانية جيدة للحل، ثم فرض حصاراً بحرياً على إيران التي بدورها ردَّت بأنها لن تحضر المحادثات، ليقوم ترامب بتمديد الهدنة وتليين خطابه، مع توقعات بجولة محادثات ثانية، حتى كتابة هذه السطور...
وهنا أيضاً، يُلاحظ أن أسعار النفط تلعب دورًا محوريًا في مناوراته الخطابية، فكلما اشتدت حدة خطاب ترامب، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، لكنه سرعان ما يخفف من لهجته، بأن ثمة محادثات جيدة مع إيران وأن الحرب ستنتهي قريباً، فتنخفض أسعار النفط... أما بالنسبة لتمديد الهدنة مؤخراً، يرى البعض أنه يشير لرغبة ترامب في تعزيز فرص السلام لتتحسن الأسواق المالية قبل نهاية الأسبوع، وفقاً لصحيفة التايمز البريطانية.
«لدينا الآن بيانات كافية لنعرف أن ترامب يخشى بشدة قوة واحدة خارجة عن سيطرته: تراجع السوق» كما كتب مايكل هيرش من مجلة فورين بوليسي التي ذكرت أنه «عندما بدأت الهجمات على إيران في فبراير، كان الخطاب العام يدور بمعظمه حول الأمن. أما الآن، فالخطاب العالمي يدور حول الطاقة».
أحياناً تبدو تقلبات ترامب وتهديداته غير معقولة، لدرجة أن أحد الصحفيين سأله عما إذا كان قد خضع لاختبار صحته العقلية؟ بل إن أحد السناتورات سأل وزير الصحة الأمريكي عن قدرات ترامب العقلية! لكن لا ينبغي أخذ أقواله حرفياً، بل كتأثير نفسي ومعنوي على الخصم، قد تنجح على المدى القصير.
فهل هذه التقلبات سلوك عفوي أم تكتيك مدروس؟ البعض يطرح أن سياسة ترامب الخارجية تتبع ما يطلق عليه «توقع غير المتوقع»، أو «معلوم المجهول» (unknown knowns)، لإرباك الخصوم، وهي عوامل يمكن معرفتها ولكن تأثيرها الكامل غير معروف. فمثلاً، قد نعلم بوجود خطر تجدد الحرب، ولكننا لا نعرف مدى احتمالية حدوثها، وإذا حدثت لا نعرف مدى تأثيرها على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
ويشير آخرون إلى أن ترامب يستخدم تكتيك نظرية «الرجل المجنون» المتمثل في تصوير نفسه كشخص غير عقلاني ومتهور ولا يمكن التنبؤ بقراراته، بهدف خلق تخوف لدى الخصوم في المفاوضات من تصعيد غير متوقع، وبالتالي دفعهم لتقديم تنازلات.
يتساءل جون هانا (مستشار أمريكي سابق بالأمن القومي): هل هذا نوع من الحيل الذكية؟ ثم يجيب: «عندما نتحدث عن ترامب هنا، فكل مهارته هي في عقد الصفقات. هذا هو الحمض النووي الخاص به. الذهاب في تحديد مطالب متطرفة إلى أعلى المستويات ومن ثم التراجع لتحجيمها عند الضرورة حين يلبي الجانب الآخر احتياجاتك الأساسية. ثم إعلان النصر والمبالغة في تسويقه».
لكن، إلى أين سيفضي هذا النهج التفاوضي مع النظام الإيراني؟ الإجابة ضبابية، وكافة الاحتمالات واردة، إنما أغلب التحليلات ترجح أحد احتمالين: الأول: سلام هش باحتواء الصراع عبر المفاوضات بوساطة جهود دولية وإقليمية مكثفة للتوصل لاتفاق يحفظ ماء وجه الطرفين، في ظل عدم رغبة أمريكية في حرب مفتوحة نتيجة الضغوط الداخلية وحاجة الأسواق للتهدئة؛ فضلاً عن حاجة إيران المُلحة لاتفاق نظراً لما تكبدته من خسائر فادحة ودمار هائل.
أما الاحتمال الثاني فهو استمرار حرب الاستنزاف دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا رغبة للطرفين فيها.
إذا لم يكن من المرجح حدوث سلام شامل أو حرب شاملة، فيرى بعض المحللين أن «عدم إبرام اتفاق» قد يكون خياراً أفضل لواشنطن من توقيع اتفاق هش، مما يسمح باستمرار الضغط الاقتصادي على إيران.
أحياناً «أفضل صفقة هي عدم إبرام اتفاق»، تلك قاعدة ذهبية في فن التفاوض عندما يكون عدم الاتفاق أفضل من الاتفاق، وتحديداً في المجالات السياسية والتجارية. والرئيس الأمريكي يتبنى هذا النهج، حيث صرح مراراً بأنه «لن يتم إبرام أي اتفاق إلا عندما يكون مناسباً ويخدم مصالح الولايات المتحدة»؛ بل شهدنا أنه انسحب من اتفاقات عديدة وقعتها الولايات المتحدة، عندما رأى أنها لا تخدم مصالح بلاده.
يتباهى ترامب بمهاراته الفائقة في المفاوضات التجارية، ويرى فيه البعض رجل أعمال بارعًا في إدارة الصفقات التجارية؛ ويصنف ترامب نفسه بأنه «صانع صفقات» ماهر، بينما يراه آخرون مجرد «رجل التعرفة» الجمركية، كما وصف نفسه، ويقول أيضاً أنه نجح في كل صفقة أبرمها ولم يفشل قط.. لكن ما يبدو جليًا هو براعته في المبالغة بتسويق أدائه.
إقرأ المزيد


