محمد بن عيسى الكنعان
العقلاء والشرفاء في الخليج والدول العربية يصفون المملكة بـ(الشقيقة الكبرى) لأنها لا تتوانى عن نجدة أو دعم أي دولة في الجوار الخليجي، أو النطاق العربي، أو المحيط الإسلامي. في المقابل تجد هناك عقولًا ناقصة برؤى قاصرة -بالرغم من درجتها العلمية- لم تستطع حتى الآن أن تستوعب أبعاد الدور الحقيقي للمملكة العربية السعودية في معالجتها لقضايا منطقتنا العربية كفلسطين، واليمن، أو السودان، أو سوريا، أو غيرها، حتى إن أحدهم وصف قوة الرد السعودي الذي عالجت به الرياض محاولة تهديد أمن المملكة بردٍ حازم وسرعة فائقة بـ (عقدة) الأخ الأكبر الذي يُمارس دوره الإقليمي وفقًا لحجمه على حساب دول أخرى، ويريد فرض وصايته على من حوله، ولا يريد لأي أحد أن يكون نِدًا له. وهذا وصف متهالك، وتزييف وعي صادر عن نفس مأزومة يحاول من خلاله ترويج مسألة فلسفية سياسية تُعاني منها بعض الدول العربية الصغيرة، التي لم ولن تستطيع مجاراة الدول المحورية والكبير بالمنطقة، أو على مستوى الإقليم فتتوهم أن هذه الدول تتخذ مواقفها الواضحة، وتصدر قراراتها الحازمة بدافع الشعور بعقدة (الأخ الأكبر)؛ بينما هي في الواقع تمارس دورها الفعلي بناءً على مكانتها العالمية، وريادتها الإقليمية.
واليوم ونحن في أجواء الحرب الإسرائيلية الأمريكية - الإيرانية تبيّن لأصحاب تلك العقول القاصرة أن مسألة (الأخ الأكبر) ليست عقدةً بل هي حقيقةً، وليست زعمًا بل واقع، وليست هيمنةً سعودية بل قيادةً فعلية، وليست تعاليًا بل دعم، وليست دورًا إقليميًا عاديًا بل عمق إستراتيجي فاعل؛ فالمملكة دولة كبيرة ومحورية في منطقة الشرق الأوسط، تؤثر دوليًا، وتتحرك إستراتيجيًا، وتقود إقليميًا، وتتعامل إنسانيًا، وتتخذ مواقفها السياسة، وتحركاتها العسكرية وفق حجمها، وموقعها، وقدراتها، ومواردها، ومقوماتها، وخصائصها، فالمسألة ليست محصورة بقدرات مالية، إنما في قيادة حكيمة، وحقائق تاريخية، وطبيعة جغرافية، وبديهيات واقعية تقول بوضوح إن السعودية هي العمق الإستراتيجي للخليج وستبقى بمشيئة الله كذلك؛ فتاريخ المنطقة يقف شاهدًا على منصة الحقيقة وبيده ذاكرة الشعوب عن أكثر من أزمة، أو نزاع، أو حرب كانت السعودية هي الخيمة الكبرى، والرياض هي عاصمة القرار.
واليوم مع الاعتداءات الإيرانية التي طالت الدول الخليجية بالصواريخ الإرهابية والمسيرات الإجرامية يتأكد مجددًا الدور السعودي الحقيقي، عندما فتحت المملكة مطاراتها الجوية، وموانئها البحرية، ومنافذها البرية، وسككها الحديدية، وشبكة طرقها الشاسعة لأهلنا في الخليج وبعض الدول العربية التي تضررت بسبب تلك الاعتداءات. هذا الموقف السعودي المشرف في استيعاب أبناء الخليج لا تقوم به إلا دولة محورية، ولا تتحمل أعباؤه إلا دول كبرى، دولة تعمل بفكر إستراتيجي ورؤية بعيدة المدى، عندما أنشأت قبل أكثر من 40 عامًا خط أنبوب (شرق - غرب) لنقل النفط الخام عبر أراضي المملكة بطول 1200 كلم؛ ليكون اليوم بديلًا في نقل النفط من الخليج العربي (بقيق) إلى البحر الأحمر (ينبع) متجاوزًا إغلاق مضيق هرمز، حيث تم تفعيله بكامل طاقته، مع تقديم دعم وتسهيلات للدول الخليجية لاستخدام البنية التحتية السعودية لتصدير جزء من إنتاجها عبر البحر الأحمر لتأمين احتياجات السوق العالمية. ولم يتوقف الدعم والإسناد السعودي عند الطاقة، بل أسهمت المملكة في ضمان استمرارية سلاسل الإمداد، وتدفق السلع الأساسية والاحتياجات الإنسانية، والطاقة لدول الخليج، وذلك بالاعتماد - بعد الله - على الميزة الجغرافية للمملكة، فتم تحويل المسارات الخليجية إلى الساحل الغربي السعودي، حيث فتحت المملكة موانئها على البحر الأحمر، وتحديدًا مينائي جدة الإسلامي وينبع التجاري لاستقبال الحاويات والبضائع المصدرة إلى دول الخليج، ومن ثم تأمين نقلها بريًا عبر شبكة طرق داخل المملكة، بل رفعا الطاقة الاستيعابية لبوابات ميناء جدة الإسلامي من 10 مسارات إلى 18 مسارًا. كما أطلقت المملكة مبادرة (مناطق التخزين وإعادة التوزيع خليجية) في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، مع تخصيص مساحات تشغيلية مستقلة لكل دولة خليجية لضمان سرعة مناولة البضائع، والأساسية والإستراتيجية.
إلى جانب قدمت المملكة تسهيلات التوثيق البحري، من خلال الهيئة العامة للموانئ (موانئ) التي منحت إعفاءات لمدة 30 يومًا من متطلبات التوثيق البحري للسفن العاملة في المياه الخليجية لتسريع حركة الإمداد، وتم تمديد فترة التخزين المجاني 30 يومًا عبر الميناء الجاف بالرياض. يُساند ذلك تحويل شبكتها البرية إلى جسر إسنادي (لوجستي) يربط شرق الخليج العربي بغرب المملكة، بإطلاق ممر دولي جديد للبضائع يربط موانئ دول الخليج بمنفذ الحديثة (الحدود الأردنية)، ومنه إلى الأسواق العالمية، ما وفر طريقًا بريةً آمنةً. وكذلك السماح للشاحنات المبردة (الفارغة) القادمة من دول الخليج بالدخول للمملكة لنقل المواد الأساسية والغذائية، والأدوية وتوزيعها إقليميًا لضمان عدم حدوث نقص في الأسواق الخليجية، حيث بلغ عدد الشاحنات التي خرجت إلى دول الخليج عبر ستة منافذ برية خلال شهر مارس الماضي - فقط- أكثر من 88 ألف شاحنة. وتعزيزًا لحركة الإسناد مدّدت المملكة العمر التشغيلي للشاحنات الخليجية العاملة إلى 22 عامًا لتسهيل حركة النقل البيني دون قيود فنية معقدة خلال أزمة الحرب. أما على مستوى النقل الجوي فلقد لعبت المطارات السعودية دورًا محوريًا في الحفاظ على حركة تنقل المسافرين وعمليات الشحن الجوي، حيث اسُتضيفت ناقلات جوية خليجية في عددٍ من مطارات المملكة: كالخطوط الكويتية، وطيران الخليج في مطار الملك فهد بالدمام، وطيران الجزيرة في مطار القيصومة بحفر الباطن، بأكثر من 300 رحلة للناقلات الجوية الخليجية التي واجهت صعوبات في استخدام مساراتها المعتادة، كما أسهمت المملكة في تأمين إجلاء أكثر من 25 ألف مسافر علقوا في بعض المناطق، عبر تسيير قرابة 900 حافلة، وربطها بالمطارات السعودية الدولية لتأمين عودتهم لبلدانهم. إلى جانب تسهيل عبور مسافري الخطوط العراقية عبر مطار عرعر إلى العراق.
هذا الدعم والإسناد السعودي الذي تم على أكثر من صعيد يؤكد بجلاء أن السعودية هي بحق العمق الإستراتيجي للخليج والدول العربية المجاورة، وبشهادة شعوب هذه الدول الذين خرجوا بمقاطع الوفاء وعبارات الشكر والثناء للمملكة، وقيادتها الحكيمة، وشعبها الأصيل.


