محمد سليمان العنقري
قرارات جامعة الملك سعود بإيقاف القبول بتخصصات العلوم الإنسانية و علوم الأغذية والزراعة كتب عنها الكثير بين مؤيد ومنتقد للقرار رغم أنه بعد إعلان الجامعة عن أسباب توجهها لهذه الاستراتيجية انتشر خبر مفاده ان القبول متاح لتلك التخصصات في العام القادم دون أي إيضاح جديد من الجامعة حول ذلك، ولكن بالمحصلة فإن ما ظهر من آراء يستدعي التوقف عند نقاط مهمة جداً أفرزتها هذه القرارات لتتعدى النظرة لها لما هو أبعد من توجهات جامعة واحدة، فلم نشهد أي حديث سابقاً عن قرارات أخذتها جامعات أخرى فيما يخص خفض أو رفع القبول بتخصصات أو حتى إيقافها، لكن ذلك ليس هو الأمر الأهم بما نتج عن هذه القرارات من آراء نحترمها ووجهات نظر نقدرها.
فأول سؤال يفرض نفسه عندما نضع مقارنات مع جامعات بدول متقدمة اقتصادياً: هل مقارنة احتياجاتها لرأس المال البشري تتشابه مع احتياجات الاقتصاد السعودي؟، فهذه اقتصاديات متقدمة المحرك الرئيس لها القطاع الخاص وبتنوع ضخم وتطور علمي وتقني متقدم جداً وبعدد هائل من مؤسسات التعليم ما فوق الثانوي ترفد سوق العمل بكافة التخصصات التي يحتاجها وحجم صادراتها كبير جداً ومتنوع، فالاقتصاد السعودي ناشئ بدأ رحلة التحول الكبرى مع انطلاق رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد واستثمار الامكانيات الكبيرة فيه وتوليد ملايين فرص العمل للأجيال الحالية والقادمة مع دخول ما يفوق 300 الف طالب عمل للسوق نظرياً أي وفق معايير منظمة العمل الدولية لمن هم في سن العمل وحوالي 150 ألف بالمتوسط جادين بالبحث عن العمل ممن أنهوا تعليمهم الجامعي أو المهني او الثانوي ويبحثون عن فرصة وظيفية.
ففي التقرير الأخير للرؤية ظهر النمو الكبير في الناتج الإجمالي بمقدار 89 بالمائة تقريباً منذ إطلاق الرؤية وحتى نهاية العام 2025 وذلك عبر توسع ضخم بمختلف القطاعات، سواء الصناعة او اللوجستي او التطوير العقاري، وكذلك السياحة وغيرها مما يعني ان هناك احتياجا لتأهيل عدد كبير من المواطنين للعمل بهذه القطاعات.
ويضاف لذلك التوجه الأهم نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتحول الرقمي بالاقتصاد وأنشطة عديدة بدأت الاستثمارات تتحرك فيها فعدد المنشآت صغيرها وكبيرها أصبح بالملايين، وهي بحاجة لكوادر مؤهلة حالياً ومستقبلاً مما يعني أن استراتيجية التعليم العالمي بحاجة لأن تواكب.
فالتعليم في المملكة يختلف عن تلك الدول من ناحية احتياجات الاقتصاد مع وجود عدد ضخم من العمالة الوافدة بمهن مهمة جداً لتشغيل الاقتصاد في المجالات التقنية والفنية، فهل وضعت وزارة التعليم استراتيجية تعيد فيها صياغة القبول بالمفاضلة بين التخصصات الأكاديمية والمهنية؛ فالدول التي قارن البعض مع جامعاتها نسبة القبول بالكليات التقنية والتعليم المهني تفوق 50 بالمائة وتتوزع النسب الباقية على الجامعات وغيرها مما وفر لهم رأس مال بشري يشغل المصانع والموانئ والمطارات والمستشفيات، وكافة المرافق، ويقومون بشغل أعمال الصيانة بينما القبول بالمملكة جله بالجامعات، وفي سنوات سابقة لم يسجل بالكليات التقنية والمعاهد الفنية سوى نسب تراوحت بين 8 الى 12 بالمائة من خريجي الثانوية العامة.
فالنظرة يجب أن تكون واقعية شاملة لجانب المقارنات بين اقتصاد وآخر مشابه نما وتطور بفعل تركيزه على التخصصات العلمية والمهنية مثل كوريا الجنوبية وغيرها من الاقتصادات التي تطورت بتغيير سياساتها في التركيز على التخصصات والتأهيل الذي يخدم تحول الاقتصاد ، كما أن الجامعات في الغرب هي داعم لنمو الاقتصاد فدخلها في اميركا يتجاوز 900 مليار دولار، بل أصبحت هي أحد روافد التصدير عندما تستقطب طلاب من الخارج ينفقون قرابة 40 مليار دولار سنوياً بالاقتصاد الأمريكي، وذات الأمر ينطبق على بريطانيا وفرنسا واستراليا وغيرهم الكثير.
استراتيجية التعليم العالي لابد أن تراعي الاحتياج الحقيقي للاقتصاد؛ ليكون الإنفاق على تأهيل رأس المال البشري بكفاءة عالية جداً مع التغيير والتطوير للمخرجات بالتعليم الفني والمهني والجامعات وتحديد ما يحتاجه السوق من كل تخصص أو مهنة وإضافة إجراءات تحفيزية تساهم بزيادة الإقبال على تلك التخصصات والمجالات بما يوجه لكل تخصص علمي أو إنساني أو مهني أو صحي العدد المناسب لاحتياجات سوق العمل والاقتصاد والمجتمع ومؤسساته العلمية والإنتاجية والبحثية.


