ترامب رأى "ملكين".. لكن تشارلز رأى شيئاً مختلفاً تماماً فوق منصة الكونغرس
إيلاف -

إيلاف من لندن: في الوقت الذي انشغل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب برسم "لوحة القوة" التي تجمعه بملك بريطانيا تحت شعار "الملكين"، كان الملك تشارلز الثالث يقرأ للمشرعين الأميركيين من كتابٍ آخر. فبينما أراد ترامب للزيارة أن تكون استعراضاً للأبهة والمراسم العسكرية، حوّلها الملك إلى منصة للدفاع عن "سيادة القانون" وضرورة الوفاء بالتحالفات الدولية؛ ليضع العالم أمام مفارقة مثيرة: رئيسٌ يبحث عن "هيبة التاج"، وملكٌ يذكّر الجميع بأن أحداً ليس فوق القانون.

وفي خطابٍ بدا وكأنه "دروس في الديمقراطية" مغلفة برداء بروتوكولي رفيع، وقف الملك تشارلز الثالث، الثلاثاء، أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، ليلقي خطاباً وصفه مراقبون بأنه "الأكثر مباشرة" لزعيم حليف على الأراضي الأميركية. وبينما كان الرئيس دونالد ترامب يحيط الزيارة بمظاهر "أبهة" عسكرية غير مسبوقة، اختار الملك لغةً مغايرة، تمزج بين عمق التاريخ وحساسية الراهن، موجهاً رسائل بدت وكأنها تصحيح لمسار الإدارة الأميركية الحالية تجاه الحلفاء.

دروس التاريخ: "الماجنا كارتا" وأوكرانيا

بذكاء دبلوماسي، استدعى الملك وثيقة "الماجنا كارتا" لعام 1215، مذكراً المشرعين الأميركيين بأنها الوثيقة التي أرست مبدأ خضوع الجميع—بما في ذلك الملوك—لحكم القانون. وفي إشارة اعتبرت توبيخاً ضمنياً لنهج الإدارة في التعامل مع المؤسسات الديمقراطية، دعا تشارلز إلى احترام "قلعة الديمقراطية هذه"، مطالباً بـ "عزم لا يلين" في الدفاع عن أوكرانيا، في وقت تشهد فيه واشنطن انقساماً حول دعم كييف.

تذكير بـ "المادة الخامسة": نحن من لبّى النداء

وفي ردٍ مباشر على انتقادات ترامب المتكررة لحلفاء "الناتو"، لم ينسَ تشارلز التذكير باللحظة التي فُعلت فيها المادة الخامسة لميثاق الحلف لأول مرة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وقال الملك بصوت واثق: "لقد لبينا النداء معاً، كما فعل شعبانا لأكثر من قرن، كتفاً إلى كتف"، في إشارة إلى أن المملكة المتحدة لم تتردد يوماً في حماية أمن الولايات المتحدة.

تشارلز يقتبس من ستارمر: "شراكة لا غنى عنها"

بدا الملك متمسكاً بمواقف حكومته؛ إذ لم يتردد في الاقتباس من رئيس وزرائه كير ستارمر، الذي اصطدم مع ترامب مؤخراً بسبب رفض لندن تقديم دعم عسكري كامل للعملية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وترددها في فتح مضيق هرمز بالقوة. وقال الملك: "كما قال رئيس وزرائي الشهر الماضي، إنها شراكة لا غنى عنها.. يجب ألا نهمل كل ما دعمنا طوال الثمانين عاماً الماضية، بل علينا أن نبني عليه"، مؤكداً أن بريطانيا لن تنسى "الخطوط الأمامية" التي دافعت فيها عن القيم المشتركة.

المناخ والهجوم المسلح

ولم تغب قضايا المناخ عن الخطاب؛ حيث حذر تشارلز من "انهيار الأنظمة الطبيعية الحيوية"، معتبراً إياها تهديداً يتجاوز تنوع الطبيعة ليشمل بقاء البشرية. كما أدان الملك بشكل قاطع الهجوم المسلح الذي وقع السبت الماضي خلال مناسبة صحافية في واشنطن، مؤكداً أن "مثل هذه الأعمال العنيفة لن تنجح أبداً".

ترامب و"مفارقة الملكين"

من جانبه، تعامل الرئيس ترامب مع الزيارة بمزيج من الاحتفاء البروتوكولي والسخرية السياسية. فبينما وصف تشارلز بأنه "رائع" واللقاء معه بأنه "شرف حقيقي"، نشر حساب البيت الأبيض على منصة "إكس" صورة للزعيمين وهما يضحكان مع تعليق: "ملكان"، في تحدٍ واضح للمحتجين الذين رفعوا شعارات "لا ملوك" في شوارع واشنطن.

ترامب، الذي أمر بتحليق مقاتلات "إف-35" وتحضير عشاء دولة بـ "ربطة عنق سوداء"، أشار إلى المفارقة في تكريم ملك بريطانيا في ذكرى استقلال أميركا عن تاجه، لكنه أكد أن بريطانيا تظل "أقرب الأصدقاء"، مذكراً بأن أسلاف الأميركيين غنوا "فليحفظ الله الملك" قبل أن يغنوا للحرية.

لغتان في مدينة واحدة

مع توجه الملك والملكة كاميلا إلى نيويورك الأربعاء لزيارة نصب 11 سبتمبر، يبقى انطباع الزيارة منقسماً؛ فبينما أرادها ترامب استعراضاً لـ "العظمة والتحالف الشخصي"، أرادها تشارلز تأكيداً على "المؤسسات والقانون والتحالف الدولي".



إقرأ المزيد