بي بي سي - 4/29/2026 9:12:42 AM - GMT (+3 )
في صباح يوم الخميس مطلع شهر أبريل/ نيسان الحالي، تفاجأ سكان منطقة أم القرى، الواقعة شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، بجرافات وآليات ثقيلة مصحوبة بقوات الشرطة والأجهزة الأمنية، وهي تدخل الأحياء السكنية وتهدم المساكن دون سابق إنذار، ودون تمكين السكان من تسوية أوضاعهم أو إخراج أثاثهم وممتلكاتهم، بدعوى أنها منطقة عشوائية، كما روى لي السكان الغاضبون.
سكن عشوائي
وصل فريق بي بي سي إلى المنطقة، التي تقع شرق الشارع الرئيسي وجنوب خط سكة حديد معطّل بالقرب من مساحات زراعية، ووجدنا مشاهد دمار هائل؛ إذ سويت المنازل بالأرض تمامًا، وتناثرت بقايا الأثاث والأبواب والنوافذ المحطمة، فيما كان بعض السكان يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتهم من تحت الأنقاض، وثمة أطفال يلعبون وسط الحطام.
التقينا بحواء عبد الغفار، التي كانت تجلس داخل عريشة صغيرة صنعتها من بقايا الحطام لتقيها وأطفالها من حرارة الشمس اللاهبة.
أخبرتنا أن السلطات المحلية هدمت منزلها بالكامل، الذي كانت تعيش فيه منذ أكثر من 12 عامًا، وتركتها مع أطفالها في العراء، بزعم أن المنزل أُنشئ في منطقة عشوائية.
تقول حواء إنها نزحت مع أسرتها إلى ولاية النيل الأبيض بعد اندلاع الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، موضحة أنها عادت مؤخرًا مع أطفالها واستقرت في منزلها استجابة لدعوات الحكومة إلى السكان بالعودة إلى مناطقهم من جديد.
وأضافت، بلهجة غاضبة، أنها تفاجأت بقرار إزالة المنزل والتنفيذ السريع دون أن تتمكن من إيجاد بديل مناسب.
وأردفت: "نطالب الجهات التي أزالت منازلنا أن تأتي وتبرر لنا هذا الفعل، وأن تنظر في أمرنا، كي نتمكن من إعادة بناء منازلنا كما كانت. نحن حتى الآن مهددون ولا نعرف إلى أين نذهب، كما ينبغي للجهات المسؤولة أن تعوضنا لنتمكن من إعادة بناء ديارنا، لأنني وجيراني لا نستطيع تحمل تكاليف البناء في ظل ظروف الحرب والبطالة".
"أزالوا منزلنا ودمّروه بالرغم من أن زوجي يقاتل في جبهات القتال"
أما بدرية علي، التي التقيتها على أنقاض مسكنها في الطرف الجنوبي من المنطقة، فبدت أكثر غضبًا من حواء، وذلك لأن زوجها ما يزال يقاتل في جبهات القتال ضد قوات الدعم السريع منذ أكثر من عامين، ومع ذلك لم يشفع لها ذلك لدى السلطات.
تقول لبي بي سي: "لم نغادر المنزل، وظللنا فيه طوال سنوات الحرب الثلاث. ذهب زوجي، المقاتل في الجيش، إلى جبهات القتال في كردفان منذ أكثر من عامين، وتركني مع طفلي الوحيد. ورغم ذلك، جاءت السلطات وهدمت المنزل على رؤوسنا وتركتنا في العراء. وعندما أخبرته بالأمر غضب في بادئ الأمر، لكنه طلب مني الصبر حتى يتمكن من التصرف".
يقول سكان أم القرى إن المنطقة ليست عشوائية، وإن لديهم مستندات تثبت أحقيتهم في الأراضي التي بنوا عليها مساكنهم. ومن بين هؤلاء شيخ الدين آدم، الذي أبلغني أنه يقيم مع أسرته في المنزل منذ أكثر من عشر سنوات. وأراني مستندات تفيد بملكيته لقطعة الأرض بعد أن اشتراها من مالكها عبر محام، وشرع في إجراءات تقنينها قبل سنوات.
ويرى أن قرار إزالة المنطقة تعسفي، بحسب تعبيره.
وقال: "أتوا ووضعوا علامات الإزالة، على أن تكون المهلة 72 ساعة، وكان ذلك قبل رمضان. وذهبت شخصيًا إلى منفذي القرار وقلت لهم طالما أنكم تنوون التنفيذ - يقصد السلطات المحلية - فعليكم منحنا فرصة. فردّ أحد المسؤولين بأن لديهم تعليمات بهدم المنازل فورًا".
"لم يتم تعويضنا ولا يوجد بديل"
قبيل عملية الهدم، شكّل الأهالي لجنة للتفاوض مع السلطات المحلية من أجل إيقاف العملية، أو منحهم فرصة لتوفيق أوضاعهم وتعويضهم في مكان آخر، لكن محاولاتهم باءت بالفشل في ظل إصرار السلطات على تنفيذ أوامر الهدم، كما يؤكد رئيس اللجنة صديق الخليفة.
وقال إن القرار نُفذ رغم توسلاتهم، حيث هدمت السلطات نحو 300 منزل دون تعويض أو مراعاة لظروف الأسر التي تضررت، مثل غيرها، من الحرب.
وأضاف: "جئنا عبر برنامج للعودة الطوعية إلى بيوتنا بعد الحرب، وبعد شهر ونصف تفاجأنا بترقيم المنازل للإزالة. وأوضحت لنا السلطات أن هذه المناطق عشوائية، لكن بحسب علمنا فإن منطقتنا ليست كذلك، لأننا بدأنا بالفعل إجراءات التقنين. ومع ذلك نُفذ القرار، وتركنا في العراء دون بديل أو تعويض".
مدن جديدة ومخططة
نقلنا هذه الشكاوى إلى وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، الذي قال إن سكان هذه المنطقة وغيرها يقيمون في مجمعات سكنية غير مرخصة.
وأضاف أن جميع المناطق التي أُزيلت تُعد أراضي عشوائية، وأن السكان أُخطروا مسبقًا ومُنحوا فرصة كافية لاختيار مناطق بديلة أو توفيق أوضاعهم.
وأكد أن بعض المجتمعات تجاوبت مع السلطات وتم نقلها إلى مناطق بديلة تتوفر فيها الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء ومياه الشرب، بينما رفض البعض الآخر، ما اضطر السلطات إلى تطبيق القانون لفرض النظام.
وقال: "المنازل التي أُزيلت مقامة في مناطق سكن عشوائي، وهي أراضٍ مملوكة لآخرين يحملون شهادات ملكية. وكل من أُزيل مسكنه ولديه حقوق سيتم تعويضه. البعض سيُعوض داخل المنطقة، بينما ستكون تعويضات الأغلبية في مدن جديدة خُططت لهذا الغرض".
بؤر للجريمة
بعد أن استعاد الجيش العاصمة الخرطوم من قوات الدعم السريع قبل أكثر من عام، شُكّلت لجنة برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، عُرفت بلجنة تهيئة بيئة العاصمة، وذلك من أجل تسهيل عودة السكان الذين فرّوا منها.
وقررت اللجنة، ضمن قرارات أخرى، إزالة المناطق والتجمعات السكنية التي تُوصف بالعشوائية، خاصة في الأطراف.
وبدأت السلطات المحلية تنفيذ عمليات الهدم والإزالة في مدن العاصمة الثلاث: الخرطوم وأم درمان وبحري، كما شملت الحملة الأسواق التجارية غير المرخصة التي أُنشئت داخل الأحياء السكنية وعلى أطراف الطرق الرئيسية.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، أزالت السلطات آلاف التجمعات السكنية العشوائية في أنحاء العاصمة.
وقال والي الخرطوم لبي بي سي في وقت سابق إن هذه المناطق أصبحت أوكارًا للجريمة والعصابات المسلحة، وملاذًا للمسروقات من منازل المواطنين في مناطق أخرى.
وأضاف أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالتنظيم الحضري وتحسين مظهر العاصمة، بل تشمل أيضًا مكافحة الجريمة المنظمة، مشيرًا إلى أن "المناطق العشوائية أصبحت أوكارًا لبيع الخمور والمخدرات، كما تحولت إلى مخازن للمسروقات والمنهوبات، مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات المسروقة من المناطق التي تركها سكانها بسبب الحرب".
على مدى عقود، ظلت قضية ما يُعرف بالسكن العشوائي في العاصمة محل جدل سياسي واجتماعي وقانوني، خاصة في الخرطوم، بين الحكومات المتعاقبة والسكان.
ونشأت هذه المناطق في أطراف المدينة الأكثر فقرًا، حيث يقطنها نازحون قدموا من ولايات أخرى بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الفقر.
غير أن الجدل هذه المرة كان أكثر حدة واتساعًا، إذ تزامنت عمليات الإزالة والهدم مع حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خلّفت أوضاعًا إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم حاليًا، وذلك بالتوازي مع دعوات حكومية للنازحين واللاجئين في الخارج للعودة واستئناف حياتهم الطبيعية.
إقرأ المزيد


