بي بي سي - 5/20/2026 6:27:07 AM - GMT (+3 )
صدر الصورة، EPA-EFE/REX/Shutterstock
بينما كان الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يتجولان في ساحة تيانانمن في بكين في سبتمبر/أيلول الماضي، بدا أنهما يتحدثان عن احتمال أن تسهم عمليات زرع الأعضاء في إطالة عمر الإنسان إلى حد كبير.
وسمع مترجم بوتين يقول: "يمكن زرع الأعضاء البشرية بشكل مستمر. وكلما طال عمرك، أصبحت أصغر سناً، وربما تصل حتى إلى الخلود".
وردّ مترجم شي قائلاً: "يتوقع البعض أن يعيش البشر حتى سن 150 عاماً خلال هذا القرن".
صدر الصورة، Kremlin Press Office/Anadolu via Getty Images)
كان حديثاً ملائماً لزعيمين قويين، يصف كل منهما الآخر بأنه صديقه المقرّب، ولا يبديان، بعد ما يوازي مجموعه 39 عاماً في السلطة، أي مؤشرات على التنحي.
وقدّم هذا الحديث لمحة نادرة عن شراكة كثيراً ما يساء فهمها. فهذه الكلمات العابرة، التي لم تكن معدّة مسبقاً، كانت من اللمحات القليلة إلى علاقة يحيط بها قدر كبير من السرية.
ومن المقرر أن يعود بوتين إلى بكين هذا الأسبوع، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين روسيا والصين.
وعندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شي الأسبوع الماضي، حظي باستقبال بالغ الفخامة، شمل مآدب بأدوات مائدة ذهبية وزيارة إلى معبد قديم. أما زيارة بوتين، فتبدو أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً، إذ لم تنشر عنها سوى معلومات قليلة مسبقاً.
وقال المتحدث باسم الكرملين إن موسكو تأمل في أن تسمع من بكين مباشرة ما دار في لقاء ترامب وشي.
وبحسب تقارير، ذكر شي صديقه بوتين أمام ترامب الأسبوع الماضي، أثناء جولة الزعيمين في تشونغنانهاي، المقر السياسي المغلق في بكين الذي نادراً ما يُفتح أمام الزوار الأجانب. ومازح شي ضيفه بأن بوتين سبق أن زار هذا المكان.
وربما كان بعض المسؤولين في واشنطن يراهنون على أن ترامب قادر على إبعاد بكين عن موسكو. لكن هذا الرهان يبدو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقع.
وقد وصفت الصين وروسيا علاقتهما في السنوات الأخيرة بأنها "صداقة بلا حدود". فما الأساس الذي تقوم عليه هذه العلاقة؟ وهل يمكن أن تستمر؟
وفق الشروط الصينية
تبدو العلاقة بين البلدين غير متكافئة إلى حد كبير. ويقول ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا، إن أي اتفاقات بين موسكو وبكين ستكون على الأرجح وفق الشروط الصينية. ويضيف: "روسيا في جيب الصين بالكامل، وبكين قادرة على فرض شروطها".
ويظهر هذا الخلل في قطاعات كثيرة، في مقدمتها الاقتصاد. فالصين هي أكبر شريك تجاري لروسيا، بينما لا تمثل روسيا سوى 4 في المئة من التجارة الخارجية الصينية. كما أن الصين تصدّر إلى روسيا أكثر من أي بلد آخر، واقتصادها أكبر بكثير من الاقتصاد الروسي.
ودفعت سنوات من العقوبات الغربية موسكو تدريجياً إلى تعميق علاقاتها التجارية مع بكين. واستفادت شركة هواوي الصينية، التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات وأبعدت أيضاً عن شبكات الجيل الخامس في بريطانيا بعد مراجعة حكومية، من غياب الشركات الغربية لتصبح ركناً أساسياً في قطاع الاتصالات الروسي.
ومع تزايد تدهور علاقات روسيا بالغرب، أصبحت الصين الوجهة الأولى لموسكو طلباً للخبرات، سواء في التكنولوجيا أو العلوم أو الصناعة.
صدر الصورة، EPA/Shutterstock
منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أصبحت موسكو أكثر اعتماداً على المكونات الصينية في آلة حربها. ووجد تقرير حديث لوكالة بلومبرغ أن روسيا تستورد من الصين أكثر من 90 في المئة من التكنولوجيا الخاضعة للعقوبات، بزيادة قدرها 10 في المئة عن العام السابق.
وتدرك روسيا جيداً مخاطر هذا الخلل في ميزان العلاقة. ففي مقال حديث بعنوان "لا ننحني لأحد"، أوضح دميتري ترينين، رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، أن موسكو لا تريد أن تكون دولة تابعة.
وقال عن الصين: "من الضروري جداً لنا أن نحافظ على علاقة قائمة على الندية، وأن نتذكر أن روسيا قوة عظمى ولا يمكن أن تكون شريكاً أصغر".
ولا تملك موسكو بدائل كثيرة وقابلة للتطبيق غير بكين، فالصين مشترٍ ضخم وسوق أساسية لبقاء روسيا اقتصادياً. وإذا خفّضت الصين تجارتها مع روسيا، في ظل انهيار العلاقات مع الغرب، فسيجعل ذلك أهداف السياسة الخارجية الروسية أكثر تعقيداً بكثير.
لكن نقطة القوة الكبرى لدى موسكو، وما يحميها من أن تفرض بكين إرادتها عليها بالكامل، هو قدرتها على التمسك بمواقفها وعدم التراجع بسهولة.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
وبحسب مارسين كاتشمارسكي، المحاضر في الدراسات الأمنية في جامعة غلاسكو، تدرك الصين حجم هذا الخلل في ميزان العلاقة، لكنها لا تريد أن تثير رد فعل سلبياً داخل روسيا أو بين نخبها.
ويقول: "يمكن تلخيص سياسة الصين تجاه روسيا بأنها سياسة ضبط نفس. فالصين لا تتعامل مع روسيا بأسلوب الفرض أو الإملاء".
ويعود ذلك جزئياً إلى أن الضغط على موسكو لن يكون خياراً حكيماً. فروسيا قد تكون الشريك الأضعف في هذه العلاقة، لكنها شريك شديد الاعتداد بنفسه.
ويقول غابويف، من مركز كارنيغي، إنه حتى لو حاولت الصين دفع روسيا إلى اتخاذ موقف معين، فروسيا "ليست من النوع الذي يقبل بذلك فوراً".
ويضرب مثالاً بزيارة شي إلى موسكو عام 2023، حين أفادت تقارير بأن الرئيس الصيني حث بوتين على عدم استخدام أسلحة نووية في أوكرانيا. وبعد أيام فقط، أعلن الجانب الروسي أنه سينشر أسلحة نووية في بيلاروسيا، في خطوة رأى فيها البعض محاولة من موسكو لمقاومة الضغوط الخارجية عمداً، وتذكير العالم باستقلال قرارها.
وقد تجعل حرب روسيا الطويلة والمرهقة في أوكرانيا موسكو عبئاً على بكين من جوانب كثيرة، لكنها تمنح الصين أيضاً بعض المكاسب، خصوصاً وهي تدرس خياراتها بشأن احتمال غزو تايوان.
ويقول غابويف: "تقدّم روسيا الكثير للصين في بعض المجالات العسكرية، مثل معدات متخصصة لا تزال قادرة على بيعها، وكذلك في اختبار بعض المعدات أو المكونات الصينية".
صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
وتملك روسيا أيضاً موارد ضخمة من الطاقة، لها أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الصين. ففي مؤتمر صحفي في مايو/أيار، قال بوتين إن الجانبين باتا قريبين جداً من تحقيق "خطوة كبيرة ومهمة في التعاون في مجال النفط والغاز".
وربما كان يشير بذلك إلى خط أنابيب "قوة سيبيريا 2". فقد أفادت تقارير بأن شركة غازبروم الروسية العملاقة وشركة البترول الوطنية الصينية وقّعتا اتفاقاً أولياً بشأنه، بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة.
في حال إنجازه، سيشكّل هذا الخط تحولاً كبيراً، إذ سينقل 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا.
وبالنسبة إلى الصين، ومع استمرار الأزمة في مضيق هرمز، يبدو أن رهانها على الطاقة الروسية بدأ يؤتي ثماره. فالأمر لا يتعلق بالأسعار فقط، بل بضمان أمن الطاقة داخل الصين في عالم يزداد اضطراباً.
شريكان لا حليفان
كلما بدا أن الصين وروسيا تختلفان في المواقف، تتضح حقيقة بسيطة في صلب علاقتهما: لا يحتاج أي منهما إلى السير خلف الآخر، لأن ما يجمعهما ليس تحالفاً رسمياً.
ويقول بوبو لو، النائب السابق لرئيس البعثة في السفارة الأسترالية في موسكو، إن هذه المرونة الاستراتيجية، لا صرامة التحالف العسكري، هي ما يمنح الشراكة بينهما القدرة على الصمود.
وغالباً ما قدّم محللون غربيون العلاقة بين الصين وروسيا بإحدى صورتين: إما بوصفها "محوراً للأنظمة السلطوية" يجمعه أساساً السعي إلى هزيمة الغرب، أو بوصفها أخوّة هشة تقف دائماً على حافة الانهيار.
لكن أياً من الصورتين لا يفسّر تماماً كيف تحولت هذه العلاقة إلى رابطة أساسية، يصعب أكثر فأكثر الاستغناء عنها، بين بلدين جارين يتشاركان مصالح حيوية، رغم اختلال ميزان القوة بينهما ورغم الخلافات.
ويقول لو إن البلدين لديهما أسباب كثيرة للتفاهم، حتى لو تحسنت علاقاتهما مع الغرب.
ويضيف: "إنها ليست تحالفاً، بل شراكة استراتيجية مرنة"، وهي شراكة صمدت رغم التوقعات المتكررة بانهيارها.
صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
وفي مقدمة هذه الأسباب الحدود المشتركة بينهما، التي تمتد على 4,300 كيلومتر، وكانت في السابق مصدر توتر وانعدام أمن.
ثم هناك التكامل بين اقتصاديهما: فروسيا مصدر كبير للنفط والغاز والمواد الخام الأخرى، بينما توفر الصين، باقتصادها الصناعي الضخم، سوقاً واسعة لهذه الموارد.
ولا يمكن أيضاً تجاهل معارضتهما المشتركة للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وعلى خلاف الدول الغربية، التي تفرض عقوبات وتستخدم أدوات ضغط بسبب خلافات تتعلق بالقيم، ومنها حقوق الإنسان، لا تحاكم روسيا والصين إحداهما الأخرى على أفعالها.
فالاتهامات المتكررة بوقوع انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ الصيني، وهي اتهامات تنفيها الصين، ووفاة زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني، جعلت بعض الدول الغربية أكثر حذراً في التعامل مع بكين وموسكو. لكن روسيا والصين تتجاوزان هذه القضايا في علاقتهما.
ويقول غابويف: "لا تنتقد إحداهما الأخرى بشأن شينجيانغ، أو تسميم نافالني، وما شابه ذلك. كما أنهما تتفقان في كثير من القضايا داخل الأمم المتحدة بشأن الحكومات المحلية... وهذا يخلق علاقة تكافلية طبيعية بينهما".
صدر الصورة، Getty Images
ويضيف غابويف أن هناك أيضاً تقليداً طويلاً من تحسين العلاقات بين البلدين.
ويقول: "هذا الاتجاه نحو علاقة أكثر براغماتية يعود إلى العهد السوفيتي، من أندروبوف وتشرنينكو وغورباتشوف، وصولاً إلى يلتسين. وأعتقد أن الصينيين ساروا في الاتجاه نفسه أيضاً".
أما عن احتمال استمرار هذه العلاقة، فيقرّ محلل صيني، طلب عدم الكشف عن اسمه، بأن الصورة التي يقدمها البلدان علناً لعلاقتهما، كأنهما طرفان لا ينفصلان، تحمل قدراً من الاستعراض السياسي، وتهدف إلى إظهار الوحدة والاستقرار.
لكن هذه الصورة، في الواقع، أداة سياسية مفيدة تساعد على تجاوز الخلافات التي تظهر أحياناً بين مصالح الطرفين.
فمع أن الحكومتين تعارضان ما تعتبرانه "هيمنة غربية"، فإن أسلوب كل منهما في التعامل مع هذه الهيمنة قد يختلف.
ويقول المحلل إن روسيا تريد بناء نظام عالمي يتجاوز الولايات المتحدة تماماً. أما الصين، فتبدو أكثر حذراً وبراغماتية. وغالباً ما ينظر إلى بكين على أنها تتجنب القرارات المتسرعة، وتفضّل الصبر وتحقيق مكاسب تدريجية على المدى الطويل.
وأشار المحلل إلى موقف الصين من التحركات الأمريكية في إيران، قائلاً إن بكين تعاملت معها بحذر، ولم تلغِ تحضيراتها لزيارة ترامب.
وأضاف: "هذا يوضح بجلاء رغبة بكين في عدم الاستفزاز، وعدم إغلاق الأبواب".
وقال إن الصين لا تزال تريد إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وتجنب أي استفزاز غير ضروري، وهو نهج يختلف بوضوح عن النهج الروسي.
البعد الإنساني
غالباً ما تناقش الشراكة بين الصين وروسيا من زاوية الجغرافيا السياسية والأمن. لكن هناك عاملاً مهماً آخر، هو عمق الروابط بين شعبي البلدين.
وعلى أعلى مستوى، حاول بوتين وشي إظهار صداقة لا مثيل لها بينهما. وهذه هي الزيارة الخامسة والعشرون لبوتين إلى الصين. ومن المرجح أن يتعامل المسؤولون الروس مع نظرائهم الصينيين أكثر مما يتعاملون مع مسؤولين من دول أخرى.
لكن رغم مظاهر الود على أعلى المستويات السياسية، يبدو تشارلز بارتون، وهو دبلوماسي بريطاني سابق في الصين، متشككاً في وجود تقارب ثقافي طبيعي بين الصينيين والروس العاديين.
ويقول: "هل يريد الصينيون الدراسة في موسكو والاستقرار فيها وشراء شقق هناك؟ لا". ويرى أنه لو أُتيح للروس الاختيار، لفضّلوا الاستثمار في الغرب وشراء شقق في باريس أو لندن أو قبرص، بدلاً من بكين مثلاً.
صدر الصورة، China News Service/VCG via Getty Images
لا يتفق الجميع مع هذا الرأي. إذ يرى غابويف أن التواصل بين شعبي البلدين يتوسع بسرعة، مدفوعاً جزئياً بالعقوبات الغربية وتشديد سياسات التأشيرات الأوروبية، ما يدفع الروس أكثر نحو الصين.
وأصبح سفر الروس إلى الصين أسهل بكثير. فبفضل نظام الإعفاء المتبادل من التأشيرات، يمكن خلال ساعات فقط ركوب واحدة من رحلات يومية عدة من موسكو إلى مدن صينية كبرى.
كما بات الروس يستخدمون الهواتف الصينية ويقودون السيارات الصينية أكثر من السابق، خصوصاً بعد العقوبات الغربية على موسكو.
ويقول غابويف: "لذلك، فإن الترابط بين البلدين، والسفر من دون تأشيرة، وسهولة الدفع والتنقل، كلها عوامل جعلت الصين أقرب إلى الروس مما كانت عليه من قبل. كما أن برامج التبادل والمنح الدراسية وبرامج البحث المشتركة تقرّب المجتمعين أكثر".
وفي حين يمثل الاختلال المتزايد في العلاقة بين موسكو وبكين نقطة ضعف على المدى الطويل، فإن أي توقعات بانهيارها تبدو بعيدة الاحتمال، على الأقل في المدى القصير.
ورغم الاختلافات بين الطرفين، يقول لو: "لا تزال الشراكة الصينية الروسية متماسكة. فالجانبان يدركان أنها أهم من أن تفشل، لا سيما في ظل غياب بدائل عملية لمواصلة التعاون".
إقرأ المزيد


