منظمة العفو تدعو إلى إرسال قوات لحفظ السلام إلى السودان بعد الكشف عن "تطهير عرقي" مع مخاوف من تكراره في الأُبيّض
بي بي سي -

صدر الصورة، AFP via Getty Images

Published

مدة القراءة: 6 دقائق

دعت منظمة العفو الدولية إلى إرسال قوة لحفظ السلام إلى السودان بعد أن كشفت عن حجم جرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي تقول إن قوات الدعم السريع ارتكبتها خلال حملتها للسيطرة على مدينة الفاشر، في أحد أكثر فصول الحرب السودانية دموية.

ففي تقرير بعنوان "مدينة تحت الحصار، أطفال في مرمى النيران"، وثقت المنظمة ما كابده المدنيون في الفاشر ومحيطها من قتل، وإصابة، وضرب، وتعذيب، واحتجاز بين مطلع عام 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025.

ويأتي التقرير مع اتساع التصعيد من دارفور إلى كردفان والحدود مع أفريقيا الوسطى، وسط اتهامات متبادلة بجرائم حرب وتدهور إنساني وصحي يشمل تفشي الكوليرا ونزوح أكثر من 14 مليون شخص.

وفي جنيف، يستعد مجلس حقوق الإنسان لعقد نقاش عاجل بشأن مدينة الأبيض، وسط مخاوف أممية من هجوم وشيك.

"استهداف مباشر للأطفال"

صدر الصورة، Getty Images

قالت منظمة العفو الدولية في تحقيق صدر الأربعاء إن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم شملت القتل والنقل القسري والسجن والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي وأشكالاً أخرى من العنف، إضافة إلى الإبادة والاضطهاد خلال حصار الفاشر والسيطرة عليها.

ولم تعلق قوات الدعم السريع على التقرير، لكنها نفت سابقاً مثل هذه الاتهامات، مع إقرارها بوقوع بعض الانتهاكات والتحقيق فيها، مؤكدة أن حجم الفظائع مبالغ فيه.

وأفادت المنظمة بأن الانتهاكات وقعت خلال حصار استمر 18 شهراً، مشيرة إلى أن الأطفال لم يكونوا "أضراراً جانبية"، بل تعرضوا للاستهداف المباشر بالقتل والإصابة والاغتصاب والخطف والتجنيد القسري.

واستند التقرير إلى شهادات أكثر من 200 ناجٍ، موضحاً أن الأدلة قد ترتبط بجريمة إبادة جماعية.

وروى فتى (17 عاماً) تعرض لهجوم في أبو زريقة أنه قُيد وضُرب وأُطلقت النار على ساقه، فيما قُتل ثمانية من أقاربه، بينهم أربعة فتيان.

كما راجعت المنظمة 89 مقطع فيديو وحللت صور أقمار صناعية، مؤكدة أن كثيراً من الضحايا استُهدفوا بسبب هويتهم العرقية، حيث لاحق مقاتلون عرب أفراداً من مجتمعات غير عربية مستخدمين إهانات عنصرية.

وأشارت إلى تاريخ طويل من العنف للمليشيات المرتبطة بالدعم السريع ضد جماعات أفريقية في دارفور، موضحة أن مقاتلي الدعم السريع استهدفوا مدنيين من الزغاوة إلى جانب المقاتلين.

وتحدث شهود عن قتل جماعي وعنف جنسي واستهداف للأطفال.

ودعت الأمينة العامة أنييس كالامار المجتمع الدولي "أن يتجاوز إصدار البيانات التي تعرب عن القلق، ويتخذ خطوات ملموسة لحماية المدنيين، وإنهاء دوامة الإفلات من العقاب"، مشددة على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار ونشر قوة دولية لحماية المدنيين.

وأكدت المنظمة تحديد قادة مسؤولين عن الانتهاكات، مطالبة بالمحاسبة، ووصفت ما حدث بأنه "وصمة في ضمير الإنسانية".

ودعت المنظمة جميع الدول إلى الكف "فورا" عن تزويد جميع أطراف النزاع في السودان بالأسلحة والذخائر؛ وخصت بالذكر دولة الإمارات التي وصفتها بأنها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع.

وقالت إن على الإمارات التوقف عن تزويد قوات الدعم بأي أسلحة إلى حين أن تلتزم بحظر الأمم المتحدة، مع ضرورة أن يوصع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نطاق حظر الأسلحة القائم الذي يقتصر على دارفور ليشمل سائر أنحاء السودان.

ويأتي التقرير ضمن أدلة متزايدة، بعدما قالت الأمم المتحدة إن ما حدث يحمل "سمات الإبادة الجماعية"، مشيرة إلى مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام من الهجوم.

تصاعد القتال وتبادل الاتهامات

لا يزال السودان يشهد صراعاً مستمراً منذ ثلاثة أعوام بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفر عن مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من 14 مليون شخص. وتقول الأمم المتحدة إن العنف الجنسي يُستخدم كسلاح حرب.

ويتبادل الطرفان الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، وينفيانها. وبعد إخراج الدعم السريع من الخرطوم في مارس/آذار الماضي، ركزت على السيطرة على دارفور والتوسع في كردفان.

وفي 30 يونيو/حزيران، أفاد موقع دارفور 24 بمقتل عشرات المدنيين في كمين بين الطينة والدبة في أقصى شمال دارفور. وقالت مصادر إن الموكب اعتُرِض بعد يومين من مغادرته، وربما قُتل جميع ركابه الذين يزيد عددهم على 40 شخصاً.

وتحقق الموقع من فيديوهات تظهر مسلحين بزي الدعم السريع يستجوبون مدنيين قبل إطلاق النار عليهم، دون تعليق من القوات.

في المقابل، أعلن الجيش السوداني تدمير 224 مركبة عسكرية للدعم السريع خلال أسبوعين، إضافة إلى مخازن ذخيرة ووقود، وإسقاط طائرة مسيرة. وقال إنه حقق "نجاحات متواصلة" في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

وشهدت الفترة الأخيرة تصعيداً باستخدام الطائرات المسيرة من الطرفين، ما أدى إلى سقوط مدنيين وتدمير بنى تحتية مثل المستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء.

هجوم على قاعدة للأمم المتحدة

امتد الصراع إلى الحدود، حيث أفادت فرانس برس بأن مقاتلين من الدعم السريع ومتمردين سابقين من سيليكا (وهي جماعة مسلحة متمردة نشأت في جمهورية أفريقيا الوسطى) هاجموا قاعدة تابعة للأمم المتحدة قرب الحدود مع أفريقيا الوسطى، ما أدى إلى إصابة ثلاثة جنود حفظ سلام زامبيين.

وأدانت بعثة مينوسكا الهجوم، مشيرة إلى إصابة أحد الجنود بجروح خطيرة. وقالت مسؤولة أممية إن استهداف قوات حفظ السلام قد يشكل جريمة حرب.

وأفاد مسؤول محلي بأن الهجوم أسفر عن مقتل 22 شخصاً، داعياً إلى تعزيزات، فيما نُقل المصابون للعلاج عبر الأمم المتحدة. وأضاف أن "حلفاء روساً" شنوا غارات لاحقاً على المتمردين.

وتعد أم دافوق نقطة استراتيجية تشهد توغلات متكررة لجماعات مسلحة مرتبطة بالحرب في السودان منذ 2023.

الكوليرا ومخاوف حول الأبيض

صدر الصورة، AFP via Getty Images

وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تتفاقم الأزمة الإنسانية؛ حيث أعلنت وزارة الصحة السودانية في 30 يونيو/حزيران ارتفاع وفيات الكوليرا في غرب وشمال كردفان إلى 217، مع 911 إصابة، وسط نقص في الإمدادات.

وحذرت منظمة الصحة العالمية أمس الثلاثاء من تفشي وباء الكوليرا في ولاية غرب كردفان، مع تسجيل 838 حالة اشتباه وسبع حالات مؤكدة، بينها 117 وفاة حتى 20 حزيران/يونيو.

وناشد مسؤول من الإدارة المدنية في محلية ود بنده، في حديثه إلى بي بي سي، بالتدخل العاجل في ظل تزايد الحالات وارتفاع عدد الوفيات، قائلاً إن إحدى القرى جنوبي المدينة سجلت وفاة أكثر من عشرين طفلاً، إضافة إلى تفشي حالات تسمم غذائي في المنطقة.

وتعد بلدة المزروب الأكثر تضرراً بـ300 حالة و16 وفاة خلال ثلاثة أسابيع. ومنذ إعلان تفشي الكوليرا في أغسطس/آب 2024، توفي آلاف وأصيب أكثر من 100 ألف، في ظل انهيار النظام الصحي.

وفي سياق متصل، قال محمد البدري، مفوض العون الإنساني في مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، لـ"السودان سلام"، الخدمة الإذاعية الطارئة لبي بي سي نيوز عربي، إن قوات الدعم السريع استهدفت بنى تحتية في مدينة الأبيض، مشيراً إلى حادثة وقعت الجمعة الماضية استهدفت شاحنة مساعدات إنسانية تحمل 50 طناً من الدقيق كانت في طريقها إلى المدينة، ما أدى إلى تدمير شبه كلي للقافلة ومقتل أحد السائقين وإصابة آخرين.

وأضاف أن المفوضية أنشأت جسراً عاجلاً لإرسال المساعدات إلى الأُبيض رغم استمرار القصف.

وفي جنيف، سيعقد مجلس حقوق الإنسان نقاشاً عاجلاً بشأن الأبيض، وسط مخاوف من هجوم وشيك، في نقاش يعد الثالث عشر من نوعه منذ 2006.

وتعد كردفان ساحة قتال رئيسية، بينما تقع الأبيض على طريق استراتيجي يربط دارفور بشرق السودان. ويبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف، بينهم 100 ألف نازح.

وشهدت المدينة هجمات عنيفة مؤخراً، رغم كسر الجيش حصارها سابقاً، مع استمرار ضربات الطائرات المسيرة التي استهدفت البنية التحتية، بما فيها الكهرباء والوقود.

وطلبت بريطانيا عقد النقاش بدعم دول أوروبية، محذرة من خطر استهداف نحو 500 ألف مدني. وقالت إن الضربات دمرت بنى مدنية وتسببت في نقص حاد في الخدمات، داعية إلى خفض فوري للتصعيد.

ومن المتوقع تقديم مشروع قرار للمجلس، فيما حذر مفوض حقوق الإنسان من تكرار فظائع الفاشر.

وكانت بعثة أممية قد وصفت ما حدث هناك بأنه "ثلاثة أيام من الرعب المطلق" تحمل سمات الإبادة الجماعية.

ومع استمرار القتال، تتزايد الضغوط الدولية، بينما تصف وكالات الإغاثة الوضع بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، مع نزوح أكثر من 14 مليون شخص وتهديد 28 مليوناً بالجوع الحاد.



إقرأ المزيد