بي بي سي - 7/29/2026 2:14:48 PM - GMT (+3 )
صدر الصورة، Getty Images
Published
مدة القراءة: 7 دقائق
تشكل "الحشد الشعبي" في العراق عام 2014 في سياق الانهيار الأمني الذي أعقب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل ومساحات واسعة من البلاد.
وجاءت التعبئة بعد دعوة المرجع الديني الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، في فتوى عرفت باسم "الجهاد الكفائي"، العراقيين القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية لمواجهة التنظيم.
وضمت التعبئة متطوعين جدداً، إلى جانب فصائل مسلحة كان بعضها موجوداً قبل عام 2014، قبل أن تعمل الحكومة العراقية على تنظيم المتطوعين والفصائل ضمن إطار حمل اسم "الحشد الشعبي".
ولعبت تشكيلات الحشد دوراً رئيسياً إلى جانب القوات العراقية في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن يتحول الحشد لاحقاً إلى مؤسسة عسكرية رسمية ضمن القوات المسلحة العراقية.
من التعبئة الشعبية إلى مؤسسة رسمية
صدر الصورة، Getty Images
بدأت الحكومة العراقية، عقب فتوى السيستاني، تنظيم المتطوعين والفصائل المسلحة ضمن إطار "الحشد الشعبي"، واكتسبت الهيئة تدريجياً إطاراً مؤسساتياً وقانونياً أكثر وضوحاً.
وفي 24 فبراير/شباط 2016، صدر الأمر الديواني رقم 91، الذي نظم عمل الهيئة وربطها بالقائد العام للقوات المسلحة.
وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أقر البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، الذي اعتبر الهيئة "تشكيلًا عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية"، وربطها بالقائد العام للقوات المسلحة.
ونص القانون على خضوع منتسبي الحشد للقوانين والأنظمة العسكرية، وعلى فك ارتباطهم بالأطر السياسية والحزبية. ونشر القانون في العدد 4429 من الجريدة الرسمية العراقية في 5 يناير/كانون الثاني 2017.
وأثار إضفاء الصفة الرسمية على الحشد جدلاً واسعاً بشأن موقعه داخل القوات المسلحة العراقية ومدى قدرة الدولة على فرض سيطرتها الفعلية على جميع فصائله، خصوصاً أن بعض هذه الفصائل اتهم في مناسبات عدة بارتكاب انتهاكات ذات صبغة طائفية.
وفي السنوات الأخيرة، برزت دعوات داخل العراق إلى إعادة تنظيم الهيئة وتعزيز اندماجها ضمن مؤسسات الدولة، وتوحيد بنيتها الإدارية والعسكرية، وحصر السلاح بيد الدولة.
ما هي تركيبة "الحشد الشعبي"؟
يضم الحشد الشعبي عشرات الفصائل والتشكيلات المسلحة التي تختلف في توجهاتها السياسية والعقائدية، وفي حجمها ونفوذها وانتشارها وعلاقاتها السياسية والإقليمية.
ويضم الحشد، أو ترتبط به بدرجات متفاوتة، فصائل شيعية وتشكيلات عشائرية سنية، إلى جانب وحدات ذات طابع تركماني ومسيحي وإيزيدي وشبكي، مع اختلاف طبيعة الارتباط الإداري والعسكري من تشكيل إلى آخر.
ولا يعد الحشد تنظيماً واحداً متجانساً، بل مظلة تضم مجموعات متعددة، تختلف في بنيتها وقياداتها ومرجعياتها ومصادر نفوذها.
وتنقسم الفصائل الشيعية الرئيسية داخله بدورها إلى تيارات متعددة. فبعضها يرتبط بعلاقات وثيقة بإيران، وبعضها الآخر قريب من مرجعية النجف، بينما ترتبط تشكيلات أخرى بقوى سياسية أو اجتماعية محلية عراقية.
ويترأس الهيئة فالح الفياض، بينما يشغل عبد العزيز المحمداوي، المعروف باسم "أبو فدك"، منصب رئيس أركانها، بعدما تولى المنصب عقب مقتل نائب رئيس الهيئة السابق أبو مهدي المهندس في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في يناير/كانون الثاني 2020، إلى جانب قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني.
صدر الصورة، Getty Images
الدور الحالي
في 27 مايو/أيار 2026، أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر فصل "سرايا السلام"، التي كانت تعد الجناح المسلح لتياره، عن الأطر السياسية والحزبية، ووضعها تحت إمرة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
وبدأ التنفيذ العملي للخطوة في سامراء في 4 يونيو/حزيران، بإطلاق إجراءات فصل السرايا عن التيار وإعادة ربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، وتنظيم أوضاع مقاتليها ومقراتها وأسلحتها.
وفي 2 يوليو/تموز، أعلنت هيئة الحشد الشعبي تسليم مسؤولية تأمين مدينة سامراء من اللواء 315 التابع لسرايا السلام إلى اللواء 36 في الحشد الشعبي.
وفي الأيام التالية لإعلان الصدر، أعلن فصيلا "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" بدء اتخاذ خطوات مماثلة، شملت الشروع في إجراءات فك ارتباط تشكيلاتهما بهيئة الحشد الشعبي، وجرد الأفراد والأسلحة والمعدات، تمهيداً لإعادة تنظيمها وحصر السلاح بيد الدولة.
لكن هذه الإعلانات مثلت بداية إجراءات إدارية وتنظيمية، ولم تكن تعني اكتمال فك ارتباط الفصيلين أو دمجهما نهائياً ضمن أجهزة الدولة.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان إن "فك الارتباط" يتضمن وضع أطر إدارية لإعادة هيكلة التشكيلات ودمجها ضمن الأجهزة الأمنية الرسمية، وضمان حقوق المقاتلين وتنظيم أوضاعهم القانونية والوظيفية.
وفي 18 يونيو/حزيران 2026، كلف رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض علي عبد الله العقيلي، مستشار المديرية العامة للعمليات، بالإشراف على إجراءات فك ارتباط الألوية 313 و314 و315 التابعة لسرايا السلام والعاملة ضمن قاطع عمليات سامراء، وإعادة تنظيمها.
وكانت طبيعة مهام الحشد الشعبي قد تغيرت منذ إعلان العراق هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية عسكرياً في أواخر عام 2017.
فلم يعد الحشد يشارك في معارك واسعة النطاق كما كان خلال سنوات الحرب ضد التنظيم، بل تركز جانب أكبر من نشاطه على ملاحقة خلايا تنظيم الدولة الإسلامية، وتأمين بعض المناطق الحدودية، والمشاركة في العمليات الأمنية إلى جانب القوات العراقية، فضلاً عن حماية بعض المواقع الدينية والاستراتيجية.
ولا تزال خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية تنشط في بعض المناطق، خصوصاً في محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين والأنبار، رغم تراجع قدراتها مقارنة بالسنوات السابقة.
كما تشارك تشكيلات الحشد في عمليات تمشيط المناطق الصحراوية والجبلية، وتأمين طرق الإمداد والمواقع الحدودية، إلى جانب قوات الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب.
العلاقة مع إيران
صدر الصورة، Getty Images
تلقت فصائل عدة ضمن الحشد الشعبي دعماً إيرانياً خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، شمل التدريب والتسليح والخبرات العسكرية والاستشارات الميدانية.
وترتبط بعض فصائل الحشد بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة بإيران وبالحرس الثوري الإيراني، بينما تتمتع فصائل أخرى بقدر أكبر من الاستقلال، أو ترتبط بمرجعية النجف أو بقوى سياسية ومحلية عراقية.
كما تختلف طبيعة العلاقة مع إيران بين فصائل الحشد، إذ لا تتمتع جميعها بالمستوى نفسه من الارتباط بطهران، ولا تتبنى المواقف السياسية والعسكرية ذاتها.
وتعد فصائل مثل منظمة بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء من أبرز الفصائل التي ترتبط بعلاقات وثيقة بإيران، في حين توصف الفصائل المرتبطة بمرجعية النجف بأنها أكثر قرباً من مؤسسات الدولة العراقية وأقل ارتباطاً بطهران.
وتؤكد الحكومة العراقية أن هيئة الحشد الشعبي، بصفتها مؤسسة عسكرية رسمية، تخضع رسمياً للقائد العام للقوات المسلحة، وأن قرارات الحرب والسلم واستخدام القوة من اختصاص الدولة وحدها.
لكن منتقدين يقولون إن درجة سيطرة الحكومة الفعلية تختلف من فصيل إلى آخر، وإن بعض الجماعات يحتفظ بهياكل قيادية وسياسية ومصادر تمويل وعلاقات خارجية تمنحه هامشاً واسعاً من الاستقلال.
اتهامات بانتهاكات
واجهت بعض فصائل الحشد الشعبي، خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وبعدها، اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات المدنية أو تدميرها، وفق تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية.
وتركزت بعض الاتهامات على العمليات التي جرت في مناطق ذات غالبية سنية استعيدت من تنظيم الدولة الإسلامية، إذ وثقت منظمات حقوقية عمليات انتقامية وهدم منازل ومنع بعض السكان من العودة إلى مناطقهم.
كما اتهمت فصائل من الحشد باحتجاز أشخاص في مراكز غير رسمية، أو بإخفاء رجال وشبان بعد اعتقالهم عند نقاط التفتيش أو خلال العمليات العسكرية.
وينفي قادة الحشد ارتكاب انتهاكات ممنهجة، ويقولون إن التجاوزات المنسوبة إلى بعض الأفراد لا تمثل الهيئة أو جميع تشكيلاتها، وإن مرتكبيها ينبغي أن يخضعوا للمساءلة القانونية.
وتقول الحكومة العراقية إنها تحقق في الانتهاكات التي تنسب إلى أفراد أو تشكيلات مسلحة، لكن منظمات حقوقية انتقدت ضعف المحاسبة وقلة المعلومات المتاحة بشأن نتائج التحقيقات ومصير المفقودين.
صدر الصورة، Getty Images
أبرز المعارك
لعب الحشد الشعبي دوراً محورياً في فك الحصار عن بلدة آمرلي، التي كان تنظيم الدولة الإسلامية يحاصرها عام 2014، وفي استعادة منطقة جرف الصخر جنوبي بغداد، التي أعيدت تسميتها لاحقاً "جرف النصر".
كما شاركت فصائل الحشد بدرجات متفاوتة في عمليات تأمين سامراء وبغداد وكربلاء ومحيطها، وفي المعارك التي دارت في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار.
وشارك الحشد في العمليات العسكرية لاستعادة تكريت، إلى جانب الجيش والشرطة والقوات الخاصة، قبل أن تتولى القوات العراقية السيطرة على المدينة عام 2015.
كما شاركت بعض تشكيلاته في معارك الرمادي والفلوجة، وفي تطويق المدن وقطع طرق إمداد التنظيم وتأمين المناطق المحيطة بها.
وشارك الحشد كذلك في معركة الموصل، ولا سيما في العمليات التي دارت غربي المدينة، حيث عملت تشكيلاته على قطع طرق إمداد تنظيم الدولة الإسلامية باتجاه الحدود السورية، والسيطرة على عدد من البلدات والمناطق الصحراوية الواقعة بين الموصل والحدود.
ومع انتهاء المعارك الكبرى ضد التنظيم عام 2017، تغيرت أولويات الحشد العملياتية، فتراجعت مشاركته في المعارك الواسعة، وتركز جانب أكبر من نشاطه على حفظ الأمن، ومكافحة الخلايا المتبقية لتنظيم الدولة الإسلامية، وتأمين الحدود والمواقع الاستراتيجية.
ويستمر في الوقت نفسه الجدل السياسي بشأن دور الحشد ومستقبله داخل المنظومة الأمنية العراقية، ومدى نجاح الدولة في توحيد قيادته وإخضاع جميع فصائله للقوانين العسكرية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
إقرأ المزيد


