ترامب يُريد تكرار "نجاح" سَلَفيْه كارتر وأوباما؟
موقع العنكبوت -

لفت نظري أواخر الأسبوع الماضي مُتابع أميركي جدّي للأوضاع المتنوّعة في بلاده كما للأوضاع التي نتابعها سياسيّاً وعسكريّاً وأمنيّاً واستخباراتيّاً في المنطقة والعالم إلى أمرين تناولهما صحافي إسرائيلي هو رونِن بيرغمان في مقالين نشرتهما له "النيويورك تايمز" قبل مدّة غير طويلة. الأوّل هو أنّ خطّة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل ضرب المنشآت النوويّة الإيرانيّة في عام 2012 هي التي دفعت رئيس الولايات المتّحدة في حينه باراك أوباما إلى بدء مفاوضات سريّة مع إيران كانت نتيجتها ما سُمّي "الاتفاق النووي" الذي وُقِّع عام 2015 (Jcpoa). علماً أن نتنياهو كان طرح على أوباما حرباً مُشتركة رفضها الأخير، ثم حرباً منفردة تخوضها قوّات بلاده قوبلت برفضه أيضاً وبتهديده بعدم تقديم المساعدة العسكريّة إليه سواء في أثناء تنفيذ الضربة أو العودة منها. وهذا ما دفعه إلى خوض معركة ضد تجديد أوباما ولايته الرئاسيّة عندما حان موعدها... من واشنطن. أمّا الثاني فهو أنّ الحرب المفتوحة حاليّاً بين إسرائيل وإيران يمكن أن تقود ترامب وإيران إلى التوصّل إلى اتفاق مماثل للذي ألغاه الأوّل بسحب بلاده منه وذلك لتلافي حرباً إقليميّة واسعة. ولفت نظري أيضاً إلى مقابلة تلفزيونيّة أجراها الإعلامي المشهور فرِد زكريا من على شاشة الـ CNN مع الصحافي الإسرائيلي نفسه رونِن بيرغمان، قال فيها الأخير عندما سئل عن هذا الموضوع أو أوحى على نحو غير مباشر أنّ لنتنياهو نفوذاً على ترامب أكبر من نفوذه على أوباما. وقال أيضاً أنّ أي اتفاق يتمّ التوصّل إليه بين إيران وأميركا لن يكون بالسوء الذي كان عليه "الاتفاق النووي" المذكور أعلاه المُلغى، كما أنّ أي اتفاق كهذا يجب أن يتضمّن معالجات للصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة ولحلفاء إيران بل وكلائها في المنطقة ولوجودها وإيّاهم في سوريا.

بعد ذلك قال المُتابع الأميركي نفسه أنّه مصدوم ومُتفاجئ في الوقت نفسه من الموقف الذي اتّخذه أخيراً عدد من المرشّحين الديموقراطيّين للرئاسّة، وطالبوا فيه الولايات المتّحدة بتقوية مساعداتها لإسرائيل وعودتها والفلسطينيّين إلى طاولة المفاوضات، ولكن على أن تكون قاعدة البحث فيه حلّ الدولتين. وتساءل إذا كان فعل هؤلاء ذلك بتأييد ضمني من مجموعات يهوديّة أميركيّة مُهمّة تُحبِّذ هذه المُقاربة، ولا تُحبّ نتنياهو في الوقت نفسه إذا لم تكن كارهة له. في أي حال يسود الارتباك والتشوُّش في واشنطن ودوائرها الرسميّة والسياسيّة والإعلاميّة والعسكريّة والاستخباريّة بسبب المفاوضات التي كانت جارية بين إدارة ترامب و"حركة طالبان" الأفغانيّة، وتحديداً بعد انتشار تغريدته الرسميّة التي أعلن فيها وقف التفاوض وإلغاء دعوة كان وجّهها إلى قادة منها لزيارة أميركا وعقد اجتماعات معه وفريقه في كمب ديفيد في ميريلاند. والمبرّر الرسمي للإلغاء كان مُتابعة "الطالبان" هجماتهم العسكريّة على مواقع عسكريّة أميركيّة. لكن هناك شائعات أنّ ذلك لم يكن السبب الوحيد للإلغاء. فالمعلومات التي كانت تتنقّل داخل المؤسّسة العسكريّة أو حواليها أفادت أنّها لم تكن مُنشرحة لسحب قصف قوّاتها في أفغانستان، إذ يعرّض النصف الثاني الباقي فيها إلى الخطر. والسبب واضح جدّاً وهو اعتزام مقاتلي "الطالبان" الاستمرار في هجماتهم العسكريّة دونما اعتبار لالتزامات أخذوها على أنفسهم أو سيأخذونها لاحقاً. وفي هذا المجال يلفت المُتابع نفسه إلى أن عدداً من المُهتمّين في واشنطن انتقدوا ترامب بعدما بلغتهم أخبار عن اعتزامه دعوة قادة "طالبانيّين" والرئيس الأفغاني أشرف غني للاجتماع في كمب ديفيد، وربّما لتوقيع معاهدة بينهما أميركا طرف أساسي فيها تُنهي حربهما الداخليّة والحرب مع الأميركيّين. كان يسعى ترامب إلى "نجاح" حقّقه قبل عقود الرئيس الأسبق جيمي كارتر عندما دعا مناحيم بيغن رئيس وزراء اسرائيل ورئيس مصر أنور السادات إلى "كمب ديفيد ولم يتركهما يعودان إلّا بعد توقيع سلام بين دولتَيْهما. في أي حال ربّما كان من شأن ذلك في حال حصوله جعل مقام "حركة طالبان" أعلى من مقام الدولة الأفغانيّة. وهذا أمر لا يقبله الكثيرون في واشنطن وفي الجيش الأميركي بل داخل أميركا للسبب المذكور ولآخر أيضاً هو أن ما يجري يرفع مقام عدوّ قتل وشوّه وبتر أعضاء كثيرين من جنود أميركا.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، يقول المُتابع الأميركي نفسه: "أعتقد أنّ الرئيس ترامب يستمر في خسارة الدعم بتحويل أموال من الميزانيّة العسكريّة لبناء "جداره مع المكسيك". علماً أنّها مُخصّصة لبناء قواعد وحصون ومدارس في منطق عدّة ومنشآت أخرى هدفها الأساسي دعم عائلات العسكريّين، ومُخصّصة أيضاً لبناء منشآت في أوروبا تقوّي "حلف شمال الأطلسي" وأوكرانيا. والمهمّ أيضاً الآن هو أنّ وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس الذي دفعه ترامب إلى الاستقالة بدأ يتكلّم علانيّة. هو لا ينتقد الرئيس مباشرة، لكنّه يُظهر للرأي العام والجمهور عيوب ونقائص عدم امتلاك الدولة استراتيجيا تتعلّق بالقضايا المُهمّة والأخرى الأكثر أهميّة. وقد فوجئت وربّما صُدِمت بتصريح تلفزيوني له أخيراً وصف فيه روسيا بالقوّة الآفلة أي المُنحدرة في استمرار واعتبرها خطرة جدّاً بسبب ذلك. في حين اعتبر الصين قوّة صاعدة وغير خطيرة لأنّها لا تستعمل الحرب لتنفيذ مشروعاتها أو ترجمة طموحاتها. والعسكريّون الأميركيّون يصغون إلى ماتيس فضلاً عن أنّه له شعبيّة في دوائرهم.

ماذا عن لبنان؟ أجاب المُتابع نفسه: "أنا قلق في شأن الحرب المفتوحة الآن بين إيران وإسرائيل وانغماس لبنان فيها. أتساءل ماذا سيفعل نتنياهو بعد انتخاباته العامة يوم الثلثاء المقبل إذا ربح. والأكثر إثارة للتساؤل في أميركا هو اختيار المرشّحين الرئاسيّين من يسار الوسط عدم إثارة هذا الموضوع في حملاتهم الانتخابيّة رغم اعتبار معظمهم إيران ووكلائها خطراً وجوديّاً. فهل يستهدف هؤلاء نتنياهو انتخابيّاً؟".

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية


إقرأ المزيد