الطائفية - المذهبية أزمة لا حلّ لها الآن... والفساد؟
موقع العنكبوت -

يعاني لبنان ومن زمان أزمة عضوية بل تكوينية حالت منذ تحوّله دولةً مستقلة (نظرية طبعاً) للمرة الأولى في تاريخه هي الطائفية التي افترض واضعو دستورها ومن ورائهم الدولة التي “هيّأت” شعبه للاستقلال أي فرنسا أنها موقّتة وستزول عندما يتسلّم اللبنانيون الحكم لكن هذه الأزمة استمرت وتفاعلت وتسبّبت إضافة الى عوامل أخرى إقليمية ودولية أولاً بـ”ثورة مصغّرة” عام 1958، ثم بحربٍ طاحنة استمرت نيفاً و15 سنة قسمت الدولة وفرطت مؤسساتها الإدارية والأمنية والعسكرية. ويوم أنهى “اتفاق الطائف” المحلّي اسماً والسعودي – السوري – الأميركي فعلاً تلك الحروب ظنّ اللبنانيون أن أوان القضاء على الطائفية وإن بالتدرج وخلال سنوات عدة قد حان. لكن ظنهم خاب إذ فرّخت الى جانب الطائفية المذهبية وخصوصاً عند المسلمين. علماً أنها كانت موجودة قبل ذلك، لكنها كانت محبوسة في القلوب وداخل الصدور وفي العقول لأسباب عدّة، أولها قيادة السنّة مسلمي البلاد على تنوّعهم. وثانيها الحرمان الذي شعر به الشيعة في مناطقهم. وثالثها إيمانهم والسنّة عموماً بالعروبة جامعاً لهم، وانخراطهم في التحركات السياسية وحتى العسكرية المواجهة لإسرائيل مغتصبة أرض فلسطين العربية ومهجّرة قسم كبير من شعبها الى بلاد العالم كله. ورابعها عدم وجود دولة شيعية قوية وغنية في المنطقة تمتلك مشروعاً ايديولوجياً دينياً سياسياً يشمل دولها كلها وتحتاج الى الشيعة العرب لتنفيذه. وخامسها تأسيس الرئيس الراحل حافظ الأسد نظاماً في سوريا قائماً على عواميد ثلاثة، هي الوحدة العربية بقيادة حزب البعث، والاشتراكية نظاماً اقتصادياً – اجتماعياً، و”الأقلوية” التي شكّلت العصب الأبرز له والحامي الأبرز له والقوّة الأساسية المدافعة عنه علماً أن العمود الأخير كانت له المرتبة الأولى فعلياً رغم أن العمودين الأول والثاني كانا جدّيين، لكنهما تصدّعا ثم انهارا لأسباب عدّة يُسأل عنها المؤسّس كما أشقاؤه في العالم العربي وأصدقاؤه وأعداؤه في العالم.

ويعاني لبنان ومن زمان أزمة فساد بدأها شقيق الرئيس الأول للدولة المستقلة فيه، وقد تمت الإشارة الى ذلك في هذه الزاوية قبل مدة قصيرة. وهي ضُربت في حينه لكنها لم تمت، وراحت تنمو تدريجاً مع تجمّع العوامل الداخلية والفلسطينية ثم العربية الدافعة الى حربٍ طائفية أهلية في البلاد ثم أصبحت القاعدة في سنواتها الـ15. واستمرت (الأزمة) القاعدة بعد انتهائها، لكن هذه المرة بعرّاب واحد هو سوريا الأسد بعدما كان العرّابون كثيرون في السابق منهم دول عربية شقيقة كانت تغذّي المتقاتلين ومنهم إسرائيل العدو وعدد من الدول الكبرى في المعسكرين الحاكمين العالم الاتحاد السوفياتي وأميركا. فسوريا المذكورة هذه التي قادت عملية انهاء الحرب في لبنان بنجاح وإعادة بناء الدولة بنجاح أيضاً وإن بعد جعلها “سورية” التوجّه والنظام في الكثير من ممارساته. لكنها قادت في الوقت نفسه عملية الفساد وشاركت ممارسيه من اللبنانيين وحرمت أخصامها أو أعداءها أو رافضي وجودها في لبنان من غنائمه. لا يعفي ذلك طبعاً اللبنانيين من المسؤولية طبقةً سياسية قديمة وورثتها، وطبقة سياسية جديدة شكّلها قادة الميليشيات والأحزاب والطامحون الى المراكز ثم ورثتهم ومعهم “الشعوب” المنقادة لهم وعقلية الربح السريع ولو بتحليل الحرام وتحريم الحلال.

ما الغاية من هذه المقدمة الطويلة وهي ليست لتقديم معالجة للأزمة الأولى أي الطائفية والمذهبية في آن، لأن حكّام اليوم بظروفهم الداخلية والخارجية الداعمة قادرون على منع التوصل الى حل لها. اذ أن لا مصلحة لهم في ذلك، وأيضاً لأن ارتباطاتهم بدول المنطقة والخارج تمنعهم من الانطلاق نحو هذا الهدف، وثالثاً لأن هذه الدول تخوض فيما بينها حروباً عسكرية طابعها العام طائفي – مذهبي – عنصري في الإقليم، وفي لبنان أيضاً الذي يقوم أحد شعوبه بدور عسكري مهم فيه في حين تقوم الشعوب الأخرى بأدوار أخرى أقل أهمية، ولكن مؤثرة بسبب التنوع اللبناني، وكون الصراع الفعلي عليه كما على المنطقة هو صراع مذهبي بين المسلمين، ولا سيما بعدما ضرب “الاسلاميون” سنّة وشيعة العروبة والوطنيات. كما بعدما استغلت ذلك دول عظمى وكبرى ومعها دولة إسرائيل المغتصبة. فضلاً عن أن الأمل في حل أزمة لبنان العضوية هذه قبل وقف الحرب الأميركية – الإيرانية عبر الوكلاء معظم الأحيان بحلّ وتسوية أو بحسم يبقى مثل “أمل إبليس في الجنة”. وذلك يحتاج الى وقت طويل.

بل هي أي الغاية تناول موضوع الفساد ومحاولة استكشاف إمكانات الحدّ منه وليس القضاء عليه. علماً أن تعطّل الدولة وتحوّلها فاشلة ومفلّسة وشلل مؤسساتها المتنوعة بالفساد والانقسام الطائفي وبالعجز عن القيام بالمهمات من إدارية ومدنية وعسكرية وإجتماعية وقضائية واقتصادية يدفع الكثيرين الى الاعتقاد أن حل مشكلة الفساد المستعصية يحتاج الى دولة جدّية. لذلك من الأجدى البدء من هناك. وهذا صحيح لكنه مستحيل في الوقت الحاضر. فترميم هذه الدولة المنهارة صار شبه مستحيل. واللبنانيون يحتاجون الى واحدة جديدة والى عقد اجتماعي جديد معها يطمئنهم الى مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأحفادهم، ويقنعهم فعلاً بأن لبنان صار وطناً نهائياً لجميع أبنائه، لا وطناً مشلّعاً يزوّد دول الإقليم الشقيقة والصديقة والعدوّة كما دول العالم بالمقاتلين دفاعاً عن مصلحتها لا عن مصلحة بلاده. انطلاقاً من ذلك وطالما أن الشعوب وقادتها الذين دمّروا الدولة لا يزالون لعجزهم وليس لسبب آخر متمسكين بها رغم حالتها التعيسة فإن المصلحة الوطنية تقتضي الغوص في أزمة الفساد لمحاسبة ممارسيه على صعوبة ذلك، ولاستعادة أموال فلّس نهبها الدولة وربما طيّر أموال المودعين ومعها المصارف لا أموال أصحاب الأخيرة ولإعادة بعض ضئيل من الحركة الى الدولة المعطّلة يُمكّنها وشعوبها من انتظار الحلول الكبرى في المنطقة وفي العالم.

كيف تُمكن محاربة الفساد؟

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية


إقرأ المزيد