متحف فاروق حسني.. أيقونة التجريد في زمن المينيماليزم
إيلاف -

إيلاف من القاهرة: بصمة جديدة يضعها الفنان التشكيلي الكبير فاروق حسني (88 عامًا) في ذاكرة الفن التشكيلي المعاصر، بافتتاح متحف لأعماله ومقتنياته الفنية، ليكون واحة تنبض بالفن في قلب جزيرة الزمالك بالقاهرة، التي تعج بالمتاحف والغاليريهات الفنية والتراث المعماري المميز.

ورغم صغر مساحته، فإن تنسيق المقتنيات استُغل ببراعة، جعله أيقونة تختزل مساحة المعروضات كاستراتيجية بصرية، مع إعطاء أهمية للفراغات والإضاءة الأنيقة الهادئة والجذابة، ليظهر كأحد أفضل المتاحف تجسيدًا لفن المينيماليزم.

يقول فاروق حسني في تصريحات خاصة لـ"إيلاف": "هذا المتحف كان من بين أحلامي، وكنت أحلم أن يكتمل. أسميته المتحف الصغير، فقد كان يراودني بجانب حلمي بالمتحف الكبير لآثار مصر. أؤمن بأن الفن ملكٌ للمجتمع، لذا قررت إهداءه للدولة، ولتكون زيارته مجانية لكل عشاق الفنون".
ويضيف: "فوجئت بحجم الإقبال على المتحف والزحام يوم الافتتاح. شعرت فعلاً بحب حقيقي وتقدير يزداد تتويجًا لجهود سنوات طويلة".

وتقف جائزة "جوي"، التي منحها معالي المستشار تركي آل الشيخ للفنان فاروق حسني للإنجاز مدى الحياة، في استقبال زوار المتحف بفخامتها وبريقها الذهبي، بجوار سجل التوقيعات التذكارية اعتزازًا بها.
يقول حسني: "إنها تمثل تكريمًا لمصر وثقافتها وفنها. وقد لمست في معالي المستشار إنسانًا صادقًا ونبيلًا، وسعدت جدًّا بحجم الحفاوة والترحاب الصادق الذي مسّني من الجمهور والشعب السعودي، وقد حُفر ذلك اليوم في ذاكرتي إلى الأبد".

يأتي المتحف تتويجًا لمسيرة فنية امتدت لحوالي سبعة عقود، قدّم خلالها تجربة تشكيلية شقّت طريقها للعالمية، لم تحدّها حدود جغرافية أو حقب زمنية.
استطاع حسني أن يخلق هويته البصرية عبر تكوينات وخطوط وتماوجات لونية أصبحت توقيعه الخاص في مدرسة الفن التجريدي.

يستقبلك المتحف بأنغام كلاسيكيات الأوبرا العالمية التي تصدح في أرجاء حديقته الغنّاء، المصمّمة على الطراز الباريسي، تحفها التماثيل البرونزية مثل جوقة تتغنّى باسم الفن، يقودها تمثال لفاروق حسني بوقفته الشهيرة الأنيقة، ممسكًا بمعطفه، شاخصًا إلى الأفق كمايسترو يقود أوركسترا ملكية.
وأمام الباب الزجاجي لقاعات المتحف، يقف تمثال بهيئة محارب حامل لدرع، كحارس للإبداعات القابعة بمتحف فاروق حسني.

يقيم المتحف حوارية بصرية بين لوحات فاروق حسني بإيقاعاتها وفلسفتها التجريدية، وبين الأعمال النادرة لرواد المدارس الواقعية، والتعبيرية، والتكعيبية، والسريالية، والدادائية، من مصر ومختلف أنحاء العالم. وتأخذ اللوحات الزائر إلى حالة من السجال الفني المتأجج، لكنه سوف يجد لحظات من السكون حينما يتأمل المنحوتات، مستشعرًا إمساكها بالزمن ومهادنتها للكتلة والفراغ.

من بين مقتنيات المتحف:
لوحات لرائد الفن التشكيلي المصري الحديث محمود سعيد، سيف وانلي، سمير رافع، منير كنعان، راغب عياد، سعيد العدوي، وآرنولدو بومودورو.
بينما تحاور منحوتات آدم حنين، منحوتات محمود مختار ومحمود موسى.

لوحات حسني تجريدية حداثية تعكس رؤيته للعالم ومشاعره خلال مراحل متنوعة من حياته.
تتجلّى في بداياته حيث اللوحات التعبيرية والبورتريهات، والإسكتشات الأولية بالقلم، والتي يحتفظ بها في غرفة مكتبه الخشبي الكلاسيكي.
ومراحل أخرى مزج فيها بين التشخيص والتجريد، والتي تتناغم مع فلسفة الفرنسي جاك دريدا، إذ يروّض حسني الألوان ويخلق بينها تضادات مفعمة بالحيوية، تدهش المتلقي وتمنحه مفاجأة التكوين.
ثم، في لوحات ضخمة، يقدّم رؤية فنية مواكبة لزمن "الحداثة السائلة"، وفق فلسفة عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان.

تجعلك لوحات فاروق حسني، بأحجامها المتفاوتة، تهيم بين تكويناتها اللونية والخطوط الضاربة في عمق اللوحة، بقوة تعبّر عن انفعالات الفنان وخلجات نفسه، لنكشف معها قوة اللون وسحره.

وما إن تنتهي من الجولة الممتعة، ستجد قاعة "المالتي ميديا" المخصصة لعرض 50 مقطعًا فيلميًّا، تجسّد جميعها مراحل حياة فاروق حسني ومسيرته في العمل الرسمي، كوزير ثقافة مصري أمضى ما يقارب ربع قرن في العمل الثقافي بمختلف فروع الإبداع.
من بينها: أفلام عن ترميم كتف "أبوالهول"، وأفلام عن تأسيس المتحف المصري الكبير، وقصته، وأفلام عن معاركه الثقافية، وافتتاح أول متحف نسيج في العالم ضمن مشروع القاهرة الفاطمية، ومشروع شارع المعز، وافتتاح مكتبة الإسكندرية، وغيرها من المشروعات الكبرى التي تصدى لها حسني بحب وشغف لم يفتر بعد.

بينما تنتظرك مكتبة عامرة بالكتب والمراجع النادرة في مختلف فروع المعرفة، وبها ركن خاص للمكتبة الموسيقية، ومكتب تراثي أنيق يحيط به سجاد يدوي عجمي، يفضي بك إلى مساحة هادئة للرسم، مع وجود أدوات وألوان فاخرة لطلاب الفنون الجميلة، وقاعة مصغرة للاجتماعات والنقاشات.

ويحتضن المتحف "مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون"، التي تقيم فعاليات، وأطلقت جوائز في كافة فروع الفن التشكيلي والتصميم المعماري.



إقرأ المزيد